عبد القادر عبد اللي
ثمّة مثل عربي يقول: “من يده في النار ليس كمن يده في الماء”. وعلى الرغم من أن هذا المثل يبدو منطقياً، فإن لكل قاعدة أو منطق شواذ، وبالتالي فإن لهذا المثل أيضاً شواذ. سيقول قائل: وهل بقي ما هو غير شاذ في هذه الدنيا؟ طبعاً كل شيء غدا شاذاً، إلا أن المقصود هنا ما نراه من شرفة الجيران..
* نزل عشرات الآلاف من الكرد إلى شوارع مدن تركيا يطالبون بدعم ضد هجوم داعش على كوباني، ويعتبرون أيديهم في النار، وأن الحكومة التركية تضع يدها في الماء منتظرة قضاء داعش على الكرد في “كوباني”.
يشرح رئيس الجمهورية التركية تطوُّرات الوضع في عين العرب/ كوباني للصحفيين أثناء عودته من باريس قائلاً: “تحدثوا (يقصد حكومة إقليم كردستان) عن إرسال 2000 مقاتل من البيشمركة، ثم انخفض الرقم إلى خمسمائة، ولكن “PYD” لم يوافق على هذا الرقم أيضاً. ونزل الرقم إلى تسعين. وإذا أضفنا السائقين والمعاونين الذين سينقلون هؤلاء التسعين سيكون الرقم حوالي 150. وقد جلبنا التسعين بطائراتنا إلى تركيا. وقد حاول “PYD” عدم قبول هؤلاء أيضاً. قالوا ليسلمونا أسلحتهم، ويعودوا إلى شمال العراق. ثم يقولون إننا لا نستطيع أن نخوض حرباً فدائية بهذه الأسلحة الثقيلة ضد داعش.
في الحقيقة أن ذرائعهم كلها نابعة عن كونهم لا يريدون مشاركة أية قوة أخرى.” أليست يدهم في النار؟ يقول المثل الشامي: “الجائع يأكل أعواد المكنس”، لماذا هم مرتاحون إلى هذه الدرجة؟
بالمناسبة، نشرت مساء يوم السبت في الأول تشرين الثاني وكالة ضوغان للأنباء بأن تسعةً من البيشمركة هربوا عندما أطفئت الأنوار ليلاً لتأمين عبور البيشمركة، وأن هناك من طلب الدخول إلى المشفى بذريعة المرض. ولا ندري إن كان هذا أيضاً من أجل تشويه صورة المقاتل الكردي الشجاع الذي ارتسم في ذاكرتنا من الأدب العباسي في ألف ليلة وليلة وصولاً إلى القرن العشرين مروراً بالحروب الصليبية.
إن ثبتت قضية الهروب والتمارض فهذا يعني أن هؤلاء هم من أيديهم في النار، وليس الآخرون.
* يُصر الكُتّاب والصحفيون من مختلف دول العالم بأن هناك شرخاً كبيراً بين الناتو وتركيا، وحتى إعلام الممانعة الذي كان يتهم تركيا بأنها خادمة مطيعة للإمبريالية الأمريكية، لَحَسَ بصقته التي أطلقها، وبات يتحدّث عن هذا الشرخ بين تركيا والولايات المتحدة، وأصبح هذا الشرخ تحصيل حاصل، ففي معرض الكتابات يقول أي كاتب ممانع أم إمبريالي: “وبما أن العلاقات بين تركيا والناتو تعرّضت لشرخ عميق…” ويكمل الحديث. الناطقون باسم البيت الأبيض والخارجية ووزارة الدفاع الأمريكية يؤكدون في كل مناسبة على عدم وجود شرخ، ولكن الصحافة تعتبر الشرخ واقعاً لا يقبل النقاش، والطريف أن جين بساكي الناطقة باسم الخارجية الأمريكية قالت رداً على سؤال حول هذا الشرخ وجهه صحفي: “لا تصدّقوا كل ما يُكتب في الصحف”. عندما سأل أحد الصحفيين أرضوغان عن هذا الشرخ أثناء عودته في الطائرة من رحلة البلطيق، قال: “هناك خلاف في وجهات النظر بيننا وبين الولايات المتحدة. الولايات المتحدة ترفض إسقاط الأسد، ونحن نرفض هذا الموقف”.
يعتبر الأمريكيون أن داعشَ خطرٌ يهدّد الغرب، وأن يدهم في النار نتيجة الإرهاب الذي يمارسه هذا التنظيم؟ فإذا كانت يدهم في النار لماذا يرفضون قتال داعش برياً؟
* داعش -وعلى خطاها آخرون- تريد أن تحارب الولايات المتحدة والغرب الكافر وإيران والنظامين الطائفيين في العراق وسوريا والجيش الحر المرتد والسُّنَّة باعتبارهم صحوات، وتتاجر بالإيزيديات في سوق النخاسة والآخرين الذين يشتركون معها بالفكر… أليست هذه حرباً عالمية ثالثة؟ إذا كانت تخوض حرباً عالمية ثالثة أليس من المفروض أن تكون يدها في النار؟ ولكنها تبيع النفط للنظام السوري، وتعلن بأنها بحاجة لمهندسي تكرير نفط براتب مغرٍ يصل إلى عشرين ألف دولار في الشهر؟
نعم، هناك من أيديهم في النار، إنهم أولئك الذين تسقط البراميل المتفجرة فوق رؤوسهم كل يوم، وأولئك القابعون في أقبية التعذيب، ويتمنّون الموت في كلِّ لحظة ليخلصوا من عذابهم، وأولئك البسطاء الذين يقعون وسط قتال أصحاب المشاريع العالمية التي تدّعي أنها ستؤسس دولة خلافة عابرة للحدود والقارات من جهة والمقاتلين من أجل مناطقهم وبلدهم من جهة أخرى، وأولئك الذين باتوا ينظرون إلى الأعلى يترقبون قذيفة هاون مسيرة بتوجيه “وما رميت إذا رميت إن الله رمى”، وأولئك الذين يعيشون في مخيمات اللجوء، والمرتمين في سوق عمل دول الجوار، ولا يجدون قوت يومهم… وصراخ هؤلاء مكبوت يغطي عليه صراخ “يدي في النار” يطلقه آخرون ولكن في الحقيقة أن أيديهم في الماء البارد… والمراقب يرى أن كلاً منهم يغنّي أو يصرخ على ليلاه…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث