الرئيسية / تحقيقات / مخلفات القنابل العنقودية.. موت يتربّص بأهالي حلب

مخلفات القنابل العنقودية.. موت يتربّص بأهالي حلب

حلب – مصطفى محمد

ينبعث صوت انفجار ضخم من جهة كروم الزيتون، يهرع أهالي
قرية “العلقمية” إلى اتجاه الصوت. تسود حالة من الرعب بين الأهالي، فصوت
الانفجار كان مسبوقاً بضحكات الأطفال هناك.

لحظة وصولهم
يدركون هول ما جرى، ويتكشّف المشهد بشكل صادم عن حادثة مأساوية قد صارت للتو، فأشلاء
الطفلين قد ملأت المكان، وعانق بعضها أغصان الأشجار، واختلط ببعضها بالتراب.

“لم يخطر ببال أهالي الطفلين أن مخلّفات القنابل
العنقودية مازالت موصولة بغدر الجهة التي أطلقتها، وهي قادرة على القتل رغم
اتخاذها صفة الوداعة”.

بهذه الكلمات يلخّص أحد سكان قرية العلقمية المجاورة لقرية “منغ”،
الكائنة في الريف الشمالي الحلبي. قصة مقتل الطفلين محمد “13 عاماً”
وأحمد سعيد “12 عاماً”، جراء انفجار قنبلة عنقودية في أواخر شهر تشرين
الأول الماضي.
وكانت قرية منغ قد تعرّضت لقصف غير مسبوق بشتى أنواع القذائف والذخائر وذلك بسبب
قربها من مطار منغ العسكري، ممّا جعلها
القرية الأكثر دماراً على المستوى السوري بحسب المصادر المحلية.

ويستخدم النظام السوري الذخائر العنقودية رغم تحريمها
دولياً في حربه على “المؤامرة الكونية”
التي يتعرّض لها بحسب وصفه، وسُجّلت حالات استخدامها في أغلب المحافظات السورية
إلا أن حلب كان لها النصيب الأكبر من هذا السلاح “القذر” والعشوائي في
التصويب.

عنقوديات
النظام

تغيب التقديرات الدقيقة
التي تكشف عن مخزون النظام من هذه الأسلحة وغيرها من الأسلحة الفتاكة الأخرى، مثل
الجرثومية والكيماوية وغيرها.

وبحسب جريدة “الشرق الأوسط” فإن النظام بتاريخ
تشرين الثاني من العام 2012″العام الثاني من عمر الثورة”، قد استخدم هذا
السلاح للمرة الأولى في منطقة “الرستن” الكائنة في الريف الشمالي لمحافظة حمص.

وتبيع الحليفة الأكبر للنظام “روسيا” هذا
السلاح بكميات كبيرة، ولاسيما أنها رفضت التوقيع على معاهدة حظر انتشاره الموقعة في
العام 2010، بعد أن رفضت هي وأمريكا حضور جلسات التداول التي مهدت لتوقيع المعاهدة
في العاصمة النرويجية أوسلو، والتي رفض النظام السوري أيضاً التوقيع عليها.

ويعدُّ عدم توقيع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، المصنّعتين الأكبر للسلاح
عالمياً، أحد أهم نقاط الضعف في معاهدة حظر السلاح العنقودي.

هذا وقد ذكرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في أحد
تقاريرها في العام 2013، أن النظام السوري يستخدم أسلحة عنقودية “عشوائية”
مصرية الصنع مؤكدة على أنها شاهدت أكثر من دليل على الأرض يؤكد زعمها. وسرعان ما تم
نفي هذه التصريحات على لسان المسؤولين المصريين، متّهمين المنظمة بالانحياز للثوار
السوريين.

ويعدُّ استخدام النظام لهذا النوع من السلاح جريمةَ حرب، يعاقب عليها القانون الدولي،
كون هذا السلاح ينتشر على مساحة كبيرة تقدر بحوالي 30 ألف متر مربع، بعدد غير
محدود من القذائف التي قد تنفجر على الفور، وقد لا ينفجر بعضها، ويبقى لفترات
زمنية طويلة جاهز للانفجار مع أية حركة تصيبها.

ويشكك الخبراء العسكريون بالجدوى من هذه القنابل التي لم
تصمم إلا لزيادة عدد القتلى فقط، وخصوصاً في المدن، كونها معدة للجبهات المكشوفة
والمفتوحة فقط.

هذا ويتملص النظام السوري من استخدام هذا النوع من الذخائر، وينكر استخدامها عبر
تصريحات كل مسؤوليه أثناء ملاحقة الصحفيين لهم عن نوايا النظام من استخدامها. 

حملات شعبية للتعريف بمخاطرها

نظّم
نشطاء في مدينة حلب مؤخراً حملة توعوية مستقلة، تهدف التعريف بمخاطر الاقتراب من الذخائر
ومخلفات الحرب غير المتفجرة، أطلقوا عليها اسم
sosaleppo، وتقوم الحملة على توزيع
ملصقات وبوسترات، وغرافيتي، تبين مخاطر الاقتراب من هذه الذخائر، وترشد الأهالي
إلى كيفية التعامل الصحيح معها.

وأكد الناشط عبد
حكواتي، أحد المشرفين على الحملة، على استمرارية الحملة وفاعليتها مشيراً إلى
انتهاء الجزء الأول من الحملة، والذي شمل مدينة حلب وريفها.

بدوره شدد لؤي أبو الجود، الاعلامي، والمهتم بحملات التعريف بمخاطر مخلّفات
الذخائر على أهمية هذه الحملات واصفاً مخلفات الذخائر العنقودية بـ “الكارثة
التي تهدد حياة الأهالي”.

وعن سبب وصفها بالكارثة، أوضح أبو الجود في حديثه لصدى
الشام قائلاً: “تأتي خطورة هذه الذخائر من كونها قنبلة موقوتة مزروعة بين
الأهالي والأطفال الذين تجذبهم فكرة الاقتراب منها”، وأشار إلى توثيق الكثير
من الحالات المأساوية التي نجمت عنها.

ونصح الأهالي بعدم الاقتراب منها في حال رؤيتها، والتوجه
إلى أقرب مركز شرطة أو أي مقر للجيش الحر والابلاغ عنها.

وتلقى هذه الحملات تفاعلاً شعبياً في مدينة حلب، المدينة
الأخطر عالمياً، وتطالب الأوساط المحلية هنا، القائمين على أمور مناطقهم ضرورة
القيام بحملات تفتيشية على الأرض وتنظيف المناطق من مخلفات الذخائر غير المتفجرة.

غياب الخبراء والمعدات

“أشعر بالعجز رغم أننا متفقون على ضرورة تشكيل فريق
مختص بإزالة مخلفات القذائف، إلا أنه ينقصنا الكثير. فالمعدات غير متوفرة، والخبرة
أيضاً”.

ويضيف المقاتل “أبو يعقوب” من أهالي قرية منغ، وهو يستذكر الطفلين
الأخيرين بحسرة، “لو قدرنا أن نفجر تلك القنبلة العنقودية، لما اُستُشهد هذان
الطفلان، لذلك عزمت على تشكيل الفريق بعد الحادثة فوراً، وأحاول الآن أن أتواصل مع
أية جهة تفيدنا بهذا الصدد، وأهم ما نحتاجه المعدات، ومن ثم التدريب”.

وبحسب أبو يعقوب، يشهد الريف الحلبي حوادث مماثلة، وقد
تكون شبه يومية، وقد ينتج عنها أحياناً بتر الأطراف، وأحياناً الموت.

في غضون ذلك تنتشر الكتائب الخاصة بالتفجير، والتي تكون
مهمتها التعامل مع الذخائر والقذائف غير المتفجرة. وبحسب مصدر رفض الكشف عن اسمه “فإن
مهمة هذه الكتائب تقتصر على تلقي التبليغات من الأهالي ومن ثم الذهاب لمكان وجود
المخلفات والتعامل معها فقط”.

ويضيف المصدر نفسه “لم يحاولوا أن يقوموا بالمبادرة من أنفسهم ومحاولة تمشيط
المناطق التي تتعرض للقصف والبحث قدر الإمكان عن هذه المميتات القذرة، والتي قد
تكون بمتناول أيدي أطفالنا”.

الأراضي الزراعية مليئة بمخلفات الحرب

“حراثة الأرض قد تكون مهمة انتحارية وعند الانتهاء
من عمل كل يوم أحمد الله أنني مازلت بخير، فأن تبقى على قيد الحياة، وأنت تمشط أرض
الريف الحلبي المليئة بالقنابل العنقودية غير المتفجرة، فهو انجاز كبير”.

ويتابع “محمود 44 عاماً” “أثناء قيادتي للجرار، ينتابني هاجس بأن
انفجاراً ما سيحصل الآن، لم أستطع التغلب
على هذا الهاجس، ولكن رغم هذا سأتابع العمل. فلا خيار ثانٍ أمامي، فإما العمل على
الجرار الشيء الوحيد الذي أملكه مع كل هذه المخاطر، وإما الجوع”.
ورداً على سؤالنا له إن كان قد صادف أحد مخلفات القنابل غير المتفجرة، قال”
نعم، وتكررت المشاهدة لمرتين، وفي كل مرة كنت أقوم بالإبلاغ عنها لكتائب الجيش الحر
المتواجدة هنا، والتي بدورها تقوم بالتعامل الفوري معها وتفجرها بطريقة
آمنة”.

من أداة للموت إلى مزهريات

يحاول بعض الأهالي تأمين مصدر دخل لهم من مخلفات هذه
القذائف، فبعد أن يجمعوها من المناطق التي تعرّضت للقصف، يقومون ببيعها لعملاء
وتجار “الخردة”، وخصوصاً مستوعبات القنابل العنقودية، والتي هي عبارة عن
أسطوانة من الحديد عالي الجودة وغير قابل للصدأ.

“رغم خطورة جمعها، إلا أن إصرارك على تحصيل ثمن
الطعام، يجعلك تقلل من الحرص، فبعض الحرص غير مرحب به في سوريا”، يقول عيسى
ضاحكاً.

ويضيف عيسى تاجر الخردة: “أشتري هذه المستوعبات من
الأهالي. وأغلب من يجمع هذه المخلفات هم الأطفال. كما أشتري أحياناً كميات كبيرة
منها من فصائل الجيش الحر”.

ودافع عيسى عن هذه التجارة رغم خطورتها قائلاً: كلكم
شاهد كيف حول بعض الأهالي هذه المستوعبات إلى أحواض للزراعة، وتساءل أليس من
الجميل أن نحوّل هذه الأدوات المميتة إلى مصدر للدخل ومزهريات في بعض الأحيان؟

كما وتغيب التقديرات النهائية لأعداد القتلى الذين قتلوا
جراء الاستهداف بالقنابل العنقودية إلا الشبكة السورية لحقوق الانسان ذكرت في أحد
تقاريرها أن حوالي 2000 شخص قتلوا جراء الاستهداف المباشر بالقنابل العنقودية،
لافتة إلى أن أغلب القتلى هم من المدنيين. 

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *