الرئيسية / تحقيقات / فصل جديد من المأساة مع قدوم الشتاء.. تخفيض المساعدات يزيد معاناة اللاجئين

فصل جديد من المأساة مع قدوم الشتاء.. تخفيض المساعدات يزيد معاناة اللاجئين

مرهف دويدري 
شتاء جديد “يجتاح” السوريين دون أمل في حلِّ مشكلتهم المتفاقمة التي كرّسها بشكل أكثر مأساوية إعلان برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة خفض المساعدات للاجئين السوريين بنسبة 40% والذي تم تنفيذه منذ بداية شهر تشرين الأول بدعوى نقص التمويل الذي يقدّر بـ 350 مليون دولار للأشهر الثلاثة القادمة، أي حتى نهاية عام 2014.
 الأمر الذي سيزيد، ويفاقم الكارثة الإنسانية للاجئين السوريين المنتشرين في دول الجوار وداخل الأراضي السورية في مخيمات أقل ما يقال فيها أنها أصبحت غير مناسبة للحياة الإنسانية في أبشع صورها خاصة وأن الأمطار التي ضربت المنطقة منذ عدة أيام كشفت الحجم الهائل للمأساة التي كان أقلُّها تدمير آلاف الخيام وبقاء ساكنيها في العراء تحت وطأة البرد الشديد والمطر والسيول الطينية الجارفة. 
الأمم المتحدة تتهرب من مسؤولياتها 
حسب إحصائيات رسمية للأمم المتحدة قدّرت عدد اللاجئين السوريين إلى دول الجوار بنحو ثلاثة ملايين لاجئ، موزّعين على دول الجوار “تركيا – الأردن – لبنان – العراق”.
 وذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن عدد اللاجئين السوريين تزايد في الآونة الأخيرة، حيث دخل إلى تركيا قرابة 1.3 ملايين لاجئ سوري. بينما دخل مليون لاجئ إلى لبنان.
 أما الأردن فكان حصته 820 ألف، والعراق استقبل 525 ألف لاجئ، ومصر دخلها 270 ألف لاجئ، أما عدد النازحين السوريين الذين تنقلوا داخل سوريا واضطروا لترك منازلهم فقد قدر بنحو 6.5 ملايين لاجئ.
وقد برر المنسّق الإقليمي لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة “مهند هادي” هذا الإجراء المتمثل بخفض حجم المساعدات للاجئين السوريين (برنامج الغذاء العالمي يحتاج إلى 35 مليون دولار أسبوعياً لإطعام قرابة ثلاثة ملايين لاجئ خارج سوريا، وأربعة ملايين داخلها، والدول المانحة لم تقصر، فقد أودعت مليار دولار في صندوق البرنامج العالمي للغذاء، ولكن الأزمة السورية طالت، وبتنا بحاجة إلى مبلغ 350 مليون دولار لتغطية نفقات الأشهر الثلاثة القادمة).
 وأضاف “في حال وصول أية مساعدات إضافية للبرنامج ستحوّل بالسرعة القصوى ألكترونياً لمحتاجيها”
وقد وصف مفوّض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين “أنطونيو جوتيريس” الأزمة السورية بـ “أكبر حالة طوارئ إنسانية في حقبتنا” وأضاف: “ومع ذلك فشل العالم في توفير احتياجات اللاجئين والدول التي تستضيفهم”  حيث تم  تنفيذ هذا الخفض مع بداية شهر تشرين الأول ممّا زاد في المعاناة التي هي أصلاً موجودة. 
مخيّمات الداخل في مرمى الكوارث 
لعل الأمطار الغزيرة التي هطلت منذ قرابة عشرين يوماً في كامل المنطقة أدّى إلى كشف عورات المساعدات المقدّمة ووضع المأساة السورية في واجهة الحدث الذي ربما يتناساه المجتمع الدولي، وقد عقد مؤتمر برلين للمانحين بتاريخ 29/10/2014 في مقر وزارة الخارجية الألمانية لدعم دول جوار سوريا المستضيفة للاجئين السوريين ليحل بعضاً من الأزمة السورية.
 يقول “د.قتيبة سيد عيسى” المدير التنفيذي لمنظمة بنفسج حول الوضع المأساوي للمخيمات داخل الأراضي السورية: “مع بدء موسم شتوي جديد لا يوجد أي تحضير على الإطلاق استعداد لموسم الأمطار، حيث كشفت أوّل موجة من الأمطار حجم الإشكالية في درء مثل هذه الأخطار، حيث انتشر الدّمار بين الخيام الذي سببته الأمطار، ومات طفلٌ تحت الطين في مخيّم باب السلامة مثلاً، لم يتم تغيُّر أكثر من عشرة بالمائة من الخيام التي بحاجة إلى تغيّر، وبالتالي فساكنو هذه الخيام المتهرئة معرّضون لكوارث أكبر من سابقتها خاصة وأن الشتاء في أوله”. 
 وأضاف د. قتيبة عن موضوع التدفئة “بالنسبة للتدفئة لم تقدّم أية منظمة حتى هذه اللحظة ما يقي النازحين في المخيّمات من برد الشتاء، وأستطيع أن أقول بثقة أنه لا توجد أية منظمة قامت بشراء مدافئ، ولا حتى التفكير بذلك. الحقيقة الأوضاع الإنسانية صعبة جداً بعد خفض الأمم المتحدة المساعدات بنسب 40 % من شهر تشرين الأول”.
  أما بالنسبة للألبسة الشتوية التي ربما تفيد في كسر حدّة البرد فيؤكد قتيبة “تحضّر بعض المنظمات سلة الشتاء، وهي ألبسة شتوية للعائلة، ستوزع مع بداية الشتاء وهي قليلة وغير كافية خاصة وأن اهتراء الخيام سيؤدي مع كلّ هطول للأمطار بتبلل الثياب التي لا بديل لها فعلياً، لذلك من المفروض زيادة حصة ألبسة الشتاء قدر الإمكان”.
 الناشط الإغاثي “حسين العمر” يحدّثنا عن المأساة المتراكمة والمتفاقمة في مخيّمات ريف إدلب  “أطمة – قاح .. الخ” يقول “الوضع مأساوي جداً في المخيّمات داخل سوريا، فهي تفتقر إلى أدنى مقاييس الرعاية والاهتمام التي يتمتّع بها سكان المخيّمات التي تخضع لرعاية منظمات حكومية كبيرة، مثل المخيّمات التركية ومخيم الزعتري وغيره، فهناك على الأقل يتوفر عندهم الغاز والكهرباء، لكن في شمال سوريا هناك ما يقارب الخمسين مخيماً في مناطق مختلفة، أكثرها في محافظة إدلب في المناطق القريبة من بلدة أطمة الحدودية مع تركيا تفتقر هذه المخيّمات إلى كل شيء، فلا يمكن أن يتخيّل أحداً أن خيامهم أصبحت متهرئة تماماً، وغير صالحة للاستخدام، هذه الخيام التي صنعت لحالات الكوارث والطوارئ التي لا تتجاوز الثلاثة أشهر، ومدة صلاحية تلك الخيام سنة واحدة في سوريا، استخدمها الناس لمدة سنتين ونصف تقريباً”.
 ويضيف حسين العمر “لا يمكننا أن ندرك حجم الكارثة التي يعيشها الأهالي في المخيمات السورية، يحاولون ما بوسعهم لتغطية الأطراف المتمزقة من الخيام عند بداية الشتاء، ووضع الأغطية والبطانيات من الداخل لرد البرد عن جوف الخيمة هذه الكوارث الإنسانية بحق النازحين لا تستطيع منظمات صغيرة أن تعالجها مهما حاولت جاهدة، بسبب ازدياد عدد السكان في المخيمات إلى أرقام كبيرة جداً تقدر بعشرات الآلاف.
 هذه المشاكل تحتاج منظمات دولية حكومية تستمد دعمها من حكومات دول، أما المنظمات الصغيرة الفاعلة في المخيمات فتقوم بتوزيع بعض الملابس، أو توزيع بعض الأغطية والبطانيات للعائلات” ويلقي الناشط “حسين العمر” باللوم على وحدة تنسيق الدعم التي من المفترض أن تستلم الدعم الدولي لهذه المخيمات ولكن لا تصل هذه المساعدات “علماً أن المعني الأول والأخير في هذه القضية هو بدون شك وحدة تنسيق الدعم التي من شأنها استلام المساعدات الدولية باسم المخيمات، ولم نرَ حتى الآن أي مشروع كامل ومنتظم لوحدة تنسيق الدعم في المخيمات حتى تعبيد الطرق الرئيسية، فقد قامت وحدة تنسيق الدعم لمرتين أو أكثر بمشروع تعبيد الطريق الرئيسية في المخيم بميزانية هائلة، والطريق على ما هو تقريبا، لا يزال غير صالح ويغطّيه طبقة كبيرة من الطين، يتعثر بها المارة في كل يوم ماطر”. 
الداخل السوري ليس أفضل حالاً من مخيّمات الداخل. الشتاء القاسي لا يمر على سكان المخيمات فقط، ويرخي ذيول البرد والمرض عليهم، فالسوريون الذين جاهدوا بالبقاء داخل سوريا يعانون الأزمات الشديدة من خلال الغلاء الفاحش لكثير من المواد، وتزداد شراسة الغلاء بقدوم فصل الشتاء خاصة وأن سبل تأمين الدخل المادي للمعيشة أصبح ضمن المستحيلات التي تحدثت عنها الحكايات.
 يقول المحامي “محمد بديع العبدو” الذي يقيم داخل سوريا في جبل الزاوية بريف إدلب “المازوت المكرر بدائياً متوفّر نوعاً ما وبأسعار ربما مقبولة حيث كان سعر الليتر 55-70  ليرة، ارتفع قليلاً بعد ضرب قوات التحالف محطات التكرير التي تنتج هذه المادة.
 أما بالنسبة للحطب فيعتبر المادة البديلة، ولكن التهمَ بذلك الثروة الشجرية، حيث ترى في جبل الزاوية أن هناك بعض الأماكن قد عُريت تماماً من الغطاء الشجري، والحقيقة أن هناك من لا يستطيع تأمين المادتين فيعتمد على كثرة اللباس والنوم باكراً والتدفئة الذاتية، وطبعاً الاعتماد على الألبسة القديمة لأن اللباس أصبح غالياً جداً، وإن استطاع أحدهم أن يشتري فيقتصر على قطعة واحدة في محاولة لتحصين نفسه من البرد أثناء التنقل وهناك عزوف كبير على شراء اللباس بسبب الوضع المادي والمعيشي السيء”.
  ويؤكّد المحامي محمد بديع العبدو أن الوجبات الغذائية اقتصرت على بعض الأنواع الرخيصة، وهناك بضائعُ متوافرةٌ في الأسواق لا يستطيع كل الناس الشراء من هذه البضائع “الطعام والمواد الأولية والخضار موجودة، ولكن لا مشترٍ لها بسبب ارتفاع ثمن الطعام المناسب.
 ومن الممكن أن يستعيض السكان في فصل الشتاء بالحبوب بشكل كبير كوننا منطقةً ريفيةً، ونستطيع إنتاجها ضمن الأراضي الزراعية بالإضافة للبطاطا التي تحلُّ إشكالاً كبيراً في نقص الغذاء، ومن ارتاح مادياً يشتري المعلبات والمعكرونة بكافة أنواعها خاصة، وأن غاز الطهي أصبح سعره مرتفعاً جداً، وهو ما يشكّل عبئاً إضافياً” 
أما “أبو ربيع” – الذي نتحفظ عن اسمه لأسباب أمنية- المقيم داخل مدينة إدلب التي تسيطر عليها قوات النظام فيقول: “الحقيقة أن كل شيء تقريباً متوفر في المدينة من خضار وفواكه، ولكن بأسعار مرتفعة جداً، ومن يستطيعون أن شراء حاجاتهم لا يتجاوز نسبتهم الـ 20 % من سكان المدينة، وهناك تضييق كبير على الحصول على مادة المازوت الغالية جداً، ومعظم الناس تشتري “الحطب” للتدفئة الذي ارتفع سعره في الآونة الأخيرة بسبب الطلب الشديد عليه، أما الاعتماد على الكهرباء للتدفئة فهو من المستحيلات، حتى وإن توفرت الكهرباء خارج أوقات التقنين، أو الأعطال فهي ضعيفة جداً، ونحاول ألا نستخدم أكثر من “لمبة” داخل المنزل فكيف سنستطيع “تشغيل الدفايات” الكهربائية؟” 
لعل المأساة في محافظة إدلب والمخيّمات التي تنتشر داخلها هي صورة مصغرة عما يجري في مخيمات اللجوء في دول الجوار، أو ربما في المدن والبلدات السورية الأخرى. الصورة متشابهة جداً في المأساة والبرد والموت. 

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *