الرئيسية / تحقيقات / عفاف.. السورية

عفاف.. السورية

حافظ قرقوط
أنا من هناك، من سوريا.. فيخطر لي سؤال آخر، من أين؟ لتصفعني بنظرة ترديني مرتبكاً بلا كلمات، ثم لحظة، وتتابع الكلمات: ألا يكفي أنني من سوريا؟ وهل لتراب أن يعطي إجابة أكثر من تراب؟ أنا من هناك، من ذاك التراب الذي أصبح بركاناً وعواصفَ، رميت ذكرياتي وعنواني على كومة حجارة، ولا أريدها.
مللت الأسئلة. فالحواجز زوّدتنا بأسئلة تكفينا أجيالاً وأجيالاً. الحواجز كانت لا تعنيها تفاصيل الأسماء، بل تفاصيل الانتماء والسكن والحارات والمدن، فهل ستلاحقني تلك الأسئلة إلى خارج الحدود.
قالت ذلك وهي مستنفرة بكلِّ أحاسيسها، أو لربما ما لم تقله هو الذي يحرّك تلك الأحاسيس بذلك التوتر العابر لخلايا الجسد من سوريا، نعم يكفي. فالجراح السورية أصبحت علامة فارقة في يومياتنا، وتتوافق مع تعريف هوياتنا، عفاف تركت ذكرياتها على كومة حجار أو داخل كومة حجار كانت منزلاً وعنواناً.
 قد تكون تلك الذكريات بضعَ صور، وقد تكون دندنات بصوتها، قد تكون أحلاماً دونتها على أوراق تبعثرت تحت الركام، وقد تكون أرواحاً لأسرتها، لكنها أبت أن تتكلم عن هذا وذاك، في حيرتها اختصار لحيرة أفكارنا جميعاً وفي صمتها تختصر دهشتنا، لكنها تكلمت عن شيء آخر، وقالت سوريا تستحق رقماً قياسياً تدخل فيه مجموعة غينيس عن عدد حواجز شوارعها وحاراتها، ثم تصمت، وتتأمل ممسحة أمامها لتقول من جديد: ثلاثة أمور يجب أن تتقنها هناك، الصمت، التحايل، النسيان، قلت لها تقصدين سوريا، قالت سيان سوريا جهنم، خذ ما تريد، ماذا فعلنا لهم ليجعلوا بلادنا جهنماً؟ وبماذا أجرمنا؟ أي بيت لم يفتح بابه لضيف وأي سوري لم يتقن إلقاء التحية لجاره؟ كنا إذا سمعنا رصاصة بآخر الحي نهرع لنعرف السبب. صار الرصاص مزحةً، والبحث عن طائرة تقصف كما البحث عن نكتة مكررة، أصبحت المصائب كطبقات حراشف فوق جلدنا جعلتنا نعتاد لون الدم، ولمّ الأشلاء المبعثرة كما نلمُّ حبات مسبحة، نعم أنا من هناك، من سوريا، من بين المسافات التي تفصل تلك الحواجز عن بعضها، أو تلك الحواجز التي ثبتت هنا، هنا، قالتها وكأنها تريد أن تثقب رأسها بإصبعها، هنا الحواجز في الرأس قد تمترست فمن يزيلها. 
عفاف التي تجاوزت الثلاثين عاماً قضت ثلثها بالتعليم هي الآن تتنقل بين الأبنية في إحدى مدن تركيا لتغسل الأدراج والأبواب، لامجال للابتسام على وجهها ولا على أحرف كلماتها، فمهنتها الجديدة تتطلب منها أن تدرك معنى العفاف كسورية من ذاك النسيج الذي ترك ذكرياته تحت الركام، أو على شاهدة قبر أو معبر يشبه الكابوس، فقبل ذلك الجحيم كان ثمة عنوان يعرفنا، ونعرفه، وهنا تتبدل العناوين بلا استئذان، والنجاة من الجحيم بالنسبة لها لا يعني الدخول في جحيم التخلي عن كرامة الإنسان في داخلها.
 هي لاتبتسم لأنها ليست عنواناً لقانص نظرات عابر أو لمهاتر يرى في النزوح هوية ضعف يمكن استغلالها، هكذا هي عفاف وهكذا قالت: عندما ينزح الإنسان من الظلم يجب أن يعلم العالم كله أن الظالم هو العار لا النازح، فمن هو الذي ينزح من بيته حباً بالتشرد؟ ومن يترك دفء تلك الجدران ليستقبل صقيع الهواء والنظرات؟
 نعم نظرات العالم للسوريين أصبحت كالصقيع، تغير العالم أليس  كذلك؟ لا أدري كيف كنت أعلم الأولاد عن.. ثم صمتت وكأن الصقيع نزل على أفكارها وذكرياتها. هنا تغسل مداخل البنايات وأدراجها، وهناك كانت مدرّسة تعلّم الأجيال أن للوطن حدوداً وعيوناً ودفاتر، تمزّقت الدفاتر، وابتلت الحدود بدموع العيون السورية، وتربع الألم في ثنايا الجسد الآدمي، وأصبحت ذكريات عفاف مجرّد حواجز ترسم خارطة وطن، وأبت أن تتكلم عن أسرتها علّها تريد أن تحتجزهم في منطقة ناصعة البياض بإحدى زوايا القلب.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *