الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / الموقف الأميركي.. وتوالي النكسات

الموقف الأميركي.. وتوالي النكسات

حافظ قرقوط
جعلت معطيات الحضارة بعد الحرب العالمية الثانية، وما رافق ذلك من نمو وتطوّر لمفاهيم حقوق الإنسان والحريات العامة والديموقراطيات، جعلت من اللافت أن يتم التغطية على مجرمي حروب وإبادة لا سابق لهم بالتاريخ. 
هنا بالحقيقة كان يرى السوريون الطيبون بعيداً عن ضجيج المحللين السياسيين، أن السيد أوباما عندما وصل إلى البيت الأبيض إنما يعبّر عن مرحلة جديدة تضاف إلى مراحل الحياة الإنسانية، وسيكون دفعة قوية باتّجاه ترسيخ مفاهيم الحرية والعدالة حول العالم. 
وعندما جاء الربيع العربي توالت النكسات من الموقف الأميركي الغامض إلى أن وضعت الثورة السورية الجميع أمام امتحان هو الأهم حول ما يسمّى منظومة القيم التي رسخها النضال الإنساني في تاريخه الطويل، وبالذات إدارة السيد أوباما والنتيجة للأسف كانت مغايرة تماماً لما توقّعه الكثيرون، فقد أهدر سيد البيت الأبيض فرصة تاريخية عندما خبّأ يد أميركا خلف ظهر روسيا، وترك يد السيد بوتين تتوغل بسرقة مكوّنات الجثث السورية، وتتمتع بأكوام جماجم الأطفال، دون أن تتقدم أميركا بخطوة حاسمة لتكسب ثقة شعوب المنطقة بها كما تدّعي كدولة تحترم حريّات الشعوب وحقوق الإنسان وتنشر سياسة العدل، وهو ذاته ما فعلته أيضاً دول أوروبا الجارة التي من المفترض أنها الخبيرة في شؤون المنطقة، وعلى رغبة دائمة بإنشاء صداقات بين شعوبها.
 لكن العار الذي لحق بالإنسانية كان الحدث الذي سيتصدر المشهد ربما لعقود طويلة بعد هذه الانتكاسة الخطيرة لما يسمى العالم الحر بتعاطيه مع هذه المأساة المروِّعة، فإذا كانت مراكز الاستشارات والبحوث العالمية قد مررت معلومات غير دقيقة لصاحبي القرار، فهل ملايين الصور التي غصت بها مواقع الانترنت المختلفة تحتاج لجهد كي توصل الحقيقة؟
 بجميع الأحوال إن فات السيد أوباما وغيره من قادة هذا العالم التعرُّف بنا بشكل جيد، سنقول لهم إن الإنسان السوري بشكل عام، وبسبب الجغرافيا التي تربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، وبما ورثه من عظمة الثقافة الإنسانية منذ الأساطير القديمة، وأيضاً بسبب توالي العديد من الإمبراطوريات الهامة عبر التاريخ على هذه المنطقة، قد جعلت منه إنساناً هادئاً ومدركاً ومتعقلاً ومثقفاً بالفطرة وهو مبدع بطبيعته، وهذا التوصيف للسوري ليس انطلاقاً من نظرة عنصرية بل هي ميزة يعتزُّ بها السوريون بقبولهم الدائم للآخر، ولعل نسيجهم السكاني المتنوع والمتجذر بالتاريخ خير دليل على ذلك يضاف إليه تنوُّعٌ كبيرٌ في نوع وعمق الفكر الإنساني الذي جعل من هذه البيئة حاضنة لكلِّ الديانات السماوية التي تدعو للعدل والمحبة والسلام.
هنا كان على السادة في مراكز القرار الأميركي أن لا يخطئوا القياس، ولكن خانهم الذكاء، ووقعوا في الفخ الذي جعل من أميركا بالنسبة إلى رجل الشارع العادي هنا دولة تصدر الموت لا مفاهيم العدالة، بل قد تخرج بعض النكات تقول إن السيد أوباما يجب أن يتلقى راتباً تقاعدياً من إيران، وأن تهديه روسيا منتجعاً للاستجمام، فهاتان الدولتان لم تحظيا برئيس يحكمهما ويقدّم لهما الفائدة بقدر ما قدّم السيد أوباما الذي من المفترض أنه في المقلب الآخر الداعم لتطلعات الشعوب الحرة.
 زاد على تراجع موقع أميركا بالنسبة لمنطقتنا أنهم أتاحوا لمغامر موتور جعلت منه المصادفة رئيساً لروسيا أن يلعب بالمسافة الفارغة، ويزيد الطين بلّةً، فتأتي التُّهَم جاهزة على إدارة الولايات المتحدة نفسها، وعلى تقوقعها غير المسؤول أمام قضايا مصيرية في هذه المنطقة.
أضاعت أميركا فرصاً تاريخية عديدة عندما وقفت ضد حقوق الشعب الفلسطيني لنيل حريته وتأسيس دولته على ترابه الوطني، وأضاعت فرصة تحويل العراق إلى دولة معاصرة بل حولته لدولة هامشية تتلاعب بها إيران كما يلعب الطفل بالدمية، فأميركا لم تتصرّف حتى الآن كدولة عظمى تقع عليها مسؤوليات تاريخية، وازداد هذا الأمر وضوحاً مع صعود نجم السيد أوباما، أما حلف الأطلسي الذي تقوده بدا وكأنه قطعة عسكرية للمتقاعدين والعجزة أو دكانٌ لبيع التحليلات العسكرية.
 وهذه الحرب العبثية التي شكّلت إدارة البيت الأبيض تحالُفَها تحت عناوين تدلُّ على قِصَرِ نظرٍ، وحالة إرباك في إدارة الأزمات لهي دليلٌ فاصلٌ على تردِّي دور أميركا برغم تلك القوة التي تتربع عليها، وبهذا الجوّ السياسي الموبوء يكون بشار الأسد كما وصفه أحد أعضاء مجلس الشعب السوري هو سيد العالم، ويحق لوزير خارجيته وليد المعلم أن يهزأ بدول بأكملها، ليس لأن الدول الكبرى والعظمى لا تملك القدرات والطاقات الهامة والحاسمة، بل لأن قادتها قد لبسوا ثوباً فضفاضاً عليهم، فبدأ الهواء يتلاعب بهذا الثوب، من المعيب أن تنزح الناس في الألفية الجديدة هرباً من الظلم والبارود، وأن يموت بعضهم تحت الركام أو جوعى وهم على أرض كلها خيرات.
الثورة تسير نحو نصرها رغم تلك العقبات والخسائر الجسام، وخسرت أميركا هذه الفرصة مع الشعب السوري لتؤكّد نفسها كدولة عظمى راعية للحرية، كما يسوّق سادة القرار فيها، فشعبنا كان يتطلّع لبناء صداقة وشراكة حضارية معها، ومع دول العالم الحر بعيداً عن سنوات عمره التي ضاعت بصداقات رديئة فرضت عليه مع مافيات وديكتاتوريات العالم لم ننل منها سوى المزيد من التخلف والهلاك، وهي فرصة لن تتكرر إلا نادراً، وتحتاج ربما لأجيال قادمة، قد أفلتها السيد أوباما من يده ولا أظن أن اسمه سيُسجّل كراعٍ وداعمٍ ومؤثرٍ بالقانون الإنساني ومرسّخ لمبادئ العدل عندما ابتلع كل جرائم الأسد، وهضمها مبتسماً، ثم جاء ليحارب بلا هدف سوى زيادة جعجعة المدافع بجوار قبور المظلومين وخيم المشردين ودموع الأطفال، فهل تعترف هذه الأميركا الأوبامية شريكة الأسدية بخطئها، وتسارع لتدارك ما يمكن تداركه إن لم يكن نصرة للسوريين، فنصرة للعدالة وقيم الحرية؟

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *