أحمد العربي
شكّل انخفاض سعر النفط العالمي لأدنى مستوى له منذ شهرين ضربة للاقتصادَيْن؛ الروسي والإيراني، اللذيْن يرزحان أصلاً تحت وطأة عقوبات اقتصادية. في حين جاء هذا الانخفاض داعماً للمحور الأمريكي الغربي في مواقفه السياسية تجاه البلدين، الأمر الذي سينعكس بطبيعة الحال على الوضع في الشرق الأوسط.
فما لبثت الولايات المتحدة أن استغلت هذا الانخفاض، ودفعت بالسعودية وليبيا إلى زيادة إنتاجهما من النفط. الأمر الذي يزيد من انخفاض السعر وأثره على كل من روسيا وإيران.
ويأتي هذا الانخفاض في وقت يشهد العراق أسوأ أعمال عنف خلال العقد الحالي في حين تتصاعد التوترات بين الغرب وروسيا، وتخضع إيران لعقوباتٍ، غير أن ارتفاع الإمدادات من أميركا الشمالية وضعف الطلب دفعا أسعار النفط إلى أقل من مئة دولار، ما يبرز المزايا السياسية والاقتصادية التي تمنحها ثورة النفط الصخري لواشنطن وحلفائها الغربيين.
كما أن اعتماد روسيا وإيران على إيرادات النفط اعتماداً كبيراً، يعرّض موازنة كل منهما إلى عجز عند مستوى السعر الحالي، ما يضعف موقفيهما في التفاوض على سيادة أوكرانيا، بالنسبة لموسكو، والاتفاق الخاص ببرنامج إيران النووي بالنسبة لطهران. وتحمي زيادة إنتاج الخام في الولايات المتحدة وكندا الغرب من تهديدات روسيا بخفض الإمدادات، أو تعطيل أكبر للإمدادات من الشرق الأوسط.
وانخفضت العملة الروسية إلى أقل مستوى أمام الدولار على الإطلاق جراء تضرر الاقتصاد من عقوبات فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بسبب تورط موسكو في أوكرانيا.
ويقود هبوط الروبل لارتفاع سعر عدد كبير من الواردات الروسية من الخضروات إلى السلع الفاخرة.
وفي حالة إيران لن يضرّ السعرُ المنخفضُ باقتصادها الذي نالت منه بالفعل العقوبات الرامية تحديداً لتقليص مبيعات النفط، بل يضعف قدرتها على الضغط على الغرب للوصول لاتفاق سريع في شأن برنامج طهران النووي. إضافة إلى أن انخفاض أسعار النفط يضعف الجدوى الاقتصادية المباشرة للإسراع بإعادة الإنتاج الإيراني للأسواق العالمية، ويمنح القوى الغربية مجالاً أوسع للتشدُّد في موقفها.
كما أن انخفاض الأسعار سيضرُّ أيضاً بتنظيم “داعش” الذي سيطر على عدد من حقول النفط في سوريا والعراق، إذ سيضطر إلى بيع النفط بخصم أكبر في السوق السوداء لتمويل نشاطاته.
أما السعودية فتبدو راضية على الأرجح عن الأسعار الحالية، طالما أن الأسعار المنخفضة تضرُّ بتنظيم داعش وإيران وروسيا، وتساعد الغرب. وهذا ما بدا واضحاً في تصريحات وزير النفط السعودي علي النعيمي، حين سُئِل إذا كان هذا الانخفاض يقلقه، فأجاب: “هل سبق لكم أن رأيتموني قلقاً”؟!.
وستؤدّي العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على موسكو إلى توقف مفاجئ لنشاطات استكشاف الاحتياطات الضخمة لروسيا من النفط الصخري، وخام القطب الشمالي، وتعقيد تمويل المشاريع الروسية القائمة من بحر قزوين إلى العراق وغانا.
وتمثّل الإجراءات الجديدة توسُّعاً كبيراً لنطاق العقوبات السابقة التي تحظر حتى تصدير المعدات النفطية ذات التكنولوجيا العالية إلى روسيا. وتهدف هذه الإجراءات إلى زيادة الضغط على الرئيس الروسي “بوتين” بسبب ممارسات حكومته في أوكرانيا.
ومن بين المشاريع التي تهدّدها العقوبات الآن برنامج تنقيب ضخم لشركة “اكسون موبيل” الأميركية العملاقة في منطقة القطب الشمالي الروسية والذي بدأ في أغسطس/آب الماضي في إطار مشروع مشترك مع “روسنفت” الروسية التي طالتها العقوبات.
تعدُّ ورقة حرب الأسعار التي تلعب بها الولايات المتحدة الأمريكية والغرب مدعومة بالسعودية والخليج العربي الورقة الأقوى في المعركة الدائرة مع المحور الروسي الإيراني الذي لن يحتمل هذا الانخفاض لوقت طويل. إذ يشكّل استنزافاً كبيراً للاقتصاد، فقد تدخل البنك المركزي الروسي بـ 500 مليون دولار بشكل طارئ لوقف انخفاض الروبل أمام الدولار بمجرّد انخفاض سعر النفط العالمي.
هذا بالإضافة للاستنزاف الذي تتعرّض له روسيا وإيران في ملفات سياسية عديدة مثل الأزمة السورية وأكرانيا واليمن والعراق.
الأمر الذي سيجبرها على التخلي عن أوراقها الواحدة تلو الأخرى لإنقاذ اقتصاداتها من الانهيار.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث