عمّار الأحمد
طَبّق داعش حدَّ الزّنى بحق سيدة، قيل إنها زنت. طبّق إجرامه على سيدة عزلاء من رحمة كافة القوى. قالت تلك السيدة في رسالتها: لا تزوّجوا بناتكم إلى مجتمعٍ لا يحترم السيدات. أرادت القول: لست أنا من زنى، ولم أزنِ من أصله، من زنى هو المجتمع الذي ترك النساء، وكافة الناس بلا أية حقوق؛ أي النظام والمعارضة وداعش وبقية الجهاديات، وبسبب سيطرة الذكر في كل ذلك.
هنا سبب كل المشكلات، وليس أن تقوم سيدة بالتصرُّف بجسدها كما تشاء. وفي هذه الحالة كان التصرُّف متعلقاً بالوضع الكارثي الذي لا تحتمله حتى الدواب، فكيف يمكن للإنسان تحمله؟!.
تشريع دخول الإسلام السياسي ولاحقاً الجهادية وتشريع المحاكم الشرعية وتنظيم داعش بالتحديد تتحمل مسؤوليته إضافة للنظام، المعارضة العاجزة، والتي سمت نفسها، الممثلة الوحيدة للثورة. من برر ذلك يتحمل مسؤولية السبي وحدِّ الزنى وقطع الرؤوس وسوى ذلك كثير.
هذا الحدُّ، ليس حادثةً معزولة، بل هو في سياق تجييش تكفيري وجهادي وذكوري ضد المجتمع بأكمله، ضد الإسلام الشعبي، وضد العلاقات الاجتماعية المنحكمة للقانون. هو انفلات يعانيه مجتمعنا، حيث يتحكّم المسلحون بحياة الأفراد كيفما شاؤوا، فيقتلون وينهرون، ويذلون من شاؤوا، ليس موالي النظام فقط بل ومن كان الأصل في الثورة. وفي هذا لنتذكر مئات الذين قتلهم داعش والجهاديات من نشطاء مدنيين، ومن مقاتلين بارعين من الجيش الحر.
يندّد البعض بسلوك الأب، وكيف سمح لداعش بقتل ابنته؟ وكيف قادها إلى جنهم بيديه؟!. التنديد يجب أن يكون بمن أوصل الثورة ليكون داعش متحكماً بها.
هذا الأب كما كلّ الآباء الذكوريين، منغمس بعلاقات اجتماعية تقليدية، لم تحترم المرأة يوماً، ولم تعطها حقوقها، وارتبطت فيها الشرف بزنى المرأة، وأقل من ذلك بكثير! وهو شكل من سيطرة الذكورة في هذه العلاقات، عدا أنه فقير ومتعب ووعي في غاية المحدودية.
هذا الأب لا يمكنه مواجهة داعش أولاً، وهو رجل تقليدي، وسيقوم بما قام به كثر من قبل، وقبل الثورة أيضاً، وربما ليس عبر عقائدية حد الزنى؛ إن رفض هذه الجريمة يجب أن يقترن برفض أي دور للإسلام السياسي وللجهادية بالثورة والسياسة. ودون ذلك دجل رخيص إزاء قيم المواطنة ومبادئ المساواة والحرية.
لا يمكن قراءة هذا الجريمة إلا في سياق موقع المرأة في المجتمع وفي الثورة وفي السياسة، وفي كل مناحي الحياة.
الحقيقة تقول إن المجتمع يعاني من سيطرة ذكورية شاملة وشمولية، وأن دور المرأة محدّد بكونها ملحقةً بملكية الرجل. المرأة السورية وعكس ذلك شاركت بالثورة، ولم تتوان عن أي فعل بالثورة بما فيه القتال. وقد أُقصيت، كما أُقصي الناشطون المدنيون وكثير من الملامح الوطنية فيها.
ما ينهي هذه الظاهرة ضرورة وجود برنامج مجتمع للثورة، يقرّ بمساواة المرأة بالرجل، وينهي دور المحاكم الشرعية، ويرفض كلّ دور للإسلام السياسي والجهادية، وهناك الكثير. وينطلق من أن رفض القتل قضية مبدئية في أي فكر إنساني. في أي فكر منطلقه الحق المطلق للأفراد بالمواطنة، وبأن المساواة والحرية أصل كل مجتمع إنساني. القتل لا يُبرَّر، ويظل جريمة ومهما كان السبب؛ فهو جريمة ضد الإنسان ولمصلحة الطبقات المسيطرة.
إن عودة الإخوان المسلمين لتبوّؤ موقعٍ رئيسيٍ في الائتلاف الوطني، كما تم في الانتخابات الأخيرة، هو إمعان في استراتيجية المعارضة في تسييد كل ما هو سلبي وكارثي بحق الثورة وسوريا. هذه المعارضة تساهم في قتل السوريين وفي تحقير موقع المرأة في كل ما يخصُّ الثورة ومستقبل سوريا.
من الخطأ هنا النقاش هل حدّ الزنى صحيح أم غير صحيح؟ وهل طبقه النبي أم لا؟ وكيف طبقه؟ وهل هو صحيح، وتوفرت فيه كافة شروط واقعة الزنى أم لا.
هذا انزلاق كامل إلى موقع الإسلام السياسي. الصحيح أن هكذا حدود يجب أن تنتهي من حياة البشر. وأن تدان جملة وتفصيلاً؛ فالحقوق تبنى في عصرنا وفق مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان بكامل تشريعاتها وملحقاتها، وسوى ذلك تخفيض لقيمة الإنسان(ذكراً وأنثى، ولا يجوز التمايز بينهما). عصرنا هذا عصر التقدم نحو إعطاء الإنسان حقوقه، وليس الانتكاس عنها إلى تشريعات طبقت بشكل استثنائي، والأصل بها الرفض، وفي زمن لم يعد ممكناً العودة إليه إلا بشكل مسخرة وكما فعل داعش الهمجي. إذا هذه جريمة أولاً وأخيراً، ويجب أن يدان من قام بها، سياسياً وكأشخاص كذلك.
الجهادية لا تقاتل النظام، بل تقتل المجتمع بالأصل. وما قتالها للنظام، وفي حال تمّ ذلك إلا لتشييد استبداد ديني أشدّ وأعتى من الاستبداد السياسي؛ طبعاً هنا لا نقول بحجة أهوال الاستبداد الديني يجب إيقاف المعركة ضد الاستبداد السياسي؛ لا، إن الاستبداد السياسي هو سبب وجود الجهادية واستبدادها وليس العكس، والقضاء عليه هو بداية القضاء على الاستبداد الديني. وهو ليس من الدين، ولا يعبّر عن الدين بل هو تأويل سياسي يستند إلى قراءة تكفيرية للدين. الدين موضوع معرفي، ويتطلب بحثاً مختلفاً وليس موضوعنا هنا.
وإذ نرفض سلوك الجهادية والإسلام السياسي جملةً وتفصيلاً، فإن الرفض يجب أن يشمل دور كل من يدعمه، ويؤمن ديمومة تسلطه، ويثبته كجهات مقاتلة وسياسية رئيسية في سوريا. وهنا تتحمّل مسؤولية كل الدول التي ساهمت في إقصاء كل ملمح وطني ومدني ويساري بالثورة، وتركتها نهباً لكل تفكير أصولي وجهادي.
أمريكا والدول المشكلة للتحالف الحالي ودول المنطقة لعبت أسوأ الأدوار في إدخال الإسلام السياسي إلى الثورة وفي تعميم كل فكر وسياسية أصولية وضد المرأة في الثورة. تلك الدول تعرف كل منافذ دخول الجهادية إلى سوريا، وطبعاً النظام السوري، وهم من أدخلوها ليغرقوا الثورة بكل أشكال الأصولية وكي تنتهي. هم ضد حقوق المرأة وضد الثورة بكل أهدافها.
إذاً: حينما كانت المرأة المظلومة والمقتولة لاحقاً، تتكلم عن دور المجتمع في الزنى، كانت تدين كافة هذه الدول والجهاديات وبالأساس النظام. أي كلّ من أوغل قتلاً بالسوريين وتفنن طيلة أربع سنوات مضت، ومن صمت عن موقع المرأة الدوني في مجتمعنا.
ننهي بالقول: لا تغفروا للقتلة فتصبحوا شركاء في الجريمة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث