صفاءعليان
يتكئ غيث ذو الست سنوات على كتف والدته التي يبدو عليها التعب والحزن بعد وقوعها ضحية أحد المهربين، ثم نجاحها في اجتياز جنون البحر وظلمته وصولاً إلى جنة أحلام الكثير من السوريين: السويد.
علا واحدة من آلاف السوريين الذين دفعتهم الظروف المحيطة والضغط الممارس عليهم في سوريا ودول الجوار إلى وضع هدف الوصول إلى أوروبا نصب أعينهم، أملاًببداية حياة جديدة وتعليم جيد لأطفالهم، إضافة لطموحهم بحقوق المواطنةفي بلد ديموقراطي ومجتمع منفتح.
معاناة لم تنتهِ
أجبر القصف العنيف والمعارك على الجبهات السورية، نحو ستة ملايين شخص على النزوح الداخلي، وفق إحصائيات الأمم المتحدة، لكن المناطق الآمنة نسبياً في الداخل، لم تكن أحسن حالاً بسبب الغلاء المستفحل وندرة فرص العمل، ناهيك عن إحكام النظام قبضته الأمنية فيها، ما أدى إلى لجوء الكثير من هؤلاء إلى دول الجوار.
تتحدّث الدكتورة علا لـ “صدى الشام” بصوت يجسّد معاناتها، فتقول: “مارست مهنتي “الطب” في مشفى المجتهد بدمشق كأيِّ طبيب آخر، غير أن قوات الأمن السورية اعتقلتني، لأن شقيقي مقاتل في صفوف الجيش الحر بداريّا غرب دمشق، لكنّي تمكنت من رشوة ضابط في مخابرات النظام ليتم بعدها إطلاق سراحي، فقررت الهجرة إلى السويد عبر البحر من تركيا، للنجاة مع زوجي وأطفالي الثلاثة، ولتأسيس حياتنا من جديد“.
وحسب الأمم المتحدة، فإن السوريين البالغ عددهم ثلاثة ملايين لاجئ في دول الجوار، يواجهون صعوباتٍ في الاندماج بالمجتمعات الجديدة، وفي إيجاد فرص عمل تتناسب مع خبراتهم وشهاداتهم.كما أنهم لم يتمكّنوا من التأقلم نتيجة الاضطرابات السياسية التي تشهدها كلٌّ من لبنان، مصر والعراق، ونتيجة لاختلاف اللغة وغلاء المعيشة في تركيا.
تعلق علا على ذلك بالقول:
“لم أستطع العمل في تركيا لصعوبة معادلة إجازتي في الطب في هذا البلد، كما أن أبواب سفارات دول الخليج، قد أغلقت في وجهي، رغم حصولي على عقود عمل في مشافيهم“.
الرضوخ لتجار البشر
تختلف أساليب الهجرة غير الشرعية إلى السويد تبعاً للمبلغ المدفوع للمهرّبين، فالسفر بالطائرة من خلال جواز سفر أوروبي مزوّر يكلّف 12 ألف يورو، بينما يدفع الشخص للهجرة بقوارب“جيدة الصنع“من تركيا إلى إيطاليا حوالي خمسة آلاف يورو، إلا أنّ المسافر قد يقع ضحية المهربين لقلة معرفته بضمانات السفر.
تقول د.علا: “وجدنا ضالتنا عند مهرّب فلسطيني الأصل في لبنان، واشترط الدفع، مقدماً، تسعة آلاف يورو، على أن نتبعها بأربعة آلاف أخرى لاحقاً، واستجبنا لطلباته، وبعد وصولنا إلى تركيا بأيام أغلق المهرب هاتفه، واختفى عن الأنظار، وأدركنا لاحقاً أن حيلته انطلت علينا،لكننا لم نيأس رغم خسارتنا المادية الكبيرة“.
وعن طريق الشبكات المتسلسلة التي أسسها المهرّبون، أو ما يطلق عليهم تجار البشر، ليصلوا إلى الناس البسطاء، ويجمعوا عدداً كبيراً من المهاجرين تحقيقاً لمصالحهم.
قابلت علامهرباً، واتفقت معه على أن يقلهم قارب من ولاية ازمير التركية إلى اليونان، مشترطةً أن يكون الدفع بعد إتمام الرحلة.وعندما وصل المسافرون للشاطئ تفاجؤوا بقارب مطاطيّ صغير يعرف بـ “البلم“، على عكس ما أخبرهم المهرب الذي وعدهم بيخت سياحي يقلهم دون عناء، وأشارت علا إلى أنهم لم يستطيعوا الاعتراض لحظتها خوفاً من المهرّب ومرافقيه المسلّحين.
وبعد ست ساعات من انطلاق القارب توقّف المحرك عن العمل، وسط تدافع الركّاب وبكاء الأطفال!
“أحسست بالذنب لأني ألقيت بحياة عائلتي في المخاطر، لكن لحسن حظنا رصد عناصر خفر السواحل التركية“البلم“، وأعادونا إلى إزمير“، تسرد علا التي قرّرت خوض التجربة مرة أخرى برفقة ابنها الصغير غيث فقط، وبالتنسيق مع المهرب ذاته، لأن ما تبقى معها من مال لا يكفي لذهاب العائلة كلها.
الوصول إلى أوروبا أو للسماء
مضى أسبوع على وجودها وابنها في اسطنبول التي ستنطلق الرحلة من أحد شواطئها، تاركةً زوجها وطفليهما بإزمير.
انطلقت السفينة حاملة مئات المسافرين المدنيين، وأوصلتهم إلى العاصمة اليونانية“أثينا“، ومن هناك اصطحبتهم الشرطة إلى مخيم لللاجئين بعدما أصدرت لهم بطاقات إقامة مؤقتة، غير أن المهرب أخلف وعده مع علا مجدداً، إذ كان من المفترض إيصالها وابنها حتى السويد.
“تدبّر لي زوجي مبلغاً لإكمال الرحلة، وبالفعل وصلنا بعد معاناة وخسائر مادية ومعنوية“. أوضحت علا بعد تنهيدةطويلة.
لم يخب ظن علا في السويد التي اهتمت سلطاتها بها وبطفلها، وقدّمت لهما الحماية والإقامة، والآن تنتظر اكتمال معاملة“لمّ الشّمل“لتتمكن من جلب زوجها وطفليها المقيمين في تركيا.
بالمقابل، إذا كان النجاح قد حالف هذه السيدة وعائلتها، رغم مسيرة الشقاء تلك، فإن مئات السوريين، وربما الآلاف، قد فشلوا بالوصول إلى أوروبا، وانتهت قصص الكثيرين منهم غرقاً في البحر، قبالة السواحل الإيطالية أو اليونانية، ووصلوا إلى“موطن نهائي“، لا يحتاج دخوله لأية تأشيرة، لكن لا يظلم فيه أحد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث