تقاسمنا الضحكات والآلام، تقاسمنا الأحلام، قال كلماته تلك، وعلقت بقية الأحرف في بلعومه، وليس سوى رأس لسانه بقي
يهتز بهدوء لا يدري على أي حرف يستقر.
كانت عيناه تحدّقان في اللاشيء،
وكأنه يبحث عن مشهد بخياله، يرسمه ليخرجه من عاطفة أشعلتها الذكريات على غفلة،
لكنه لم يفلح، بل انفعاله كان هو الأسرع. وبصوت عالٍ قال: في طفولتي كنت أظنُّه
أخي، نمضي يومنا كلّه معاً، أراه أكثر من والدي وأخوتي، أتركه عند النوم وأحياناً،
أنام عنده، أو ينام معنا، هكذا اعتاد الجميع علينا، كبرنا نتقاسم كل شيء، كل شيء،
ثم تنهّد، وابتسم، وأردف قائلاً: عندما تزوجت، أقام لي أجمل حفل في الحي، ويوم
زواجه، فاجأته ببطاقات سفر وحجز فندقي هنا في هذه المدينة في تركيا، هزَّ أبو محمد
رأسه، ونظر للبحر. وبضحكة باهتة قفز فوق الكلمات، وكأن الكلمات بالنسبة له تشبه
الطعنات، لكن البحر لم يكفِه،لم يسعفه سوى ببضعِ موجاتٍ هادئة، وبقايا كيس
بلاستيكي يطفو بلا أنفاس.فنظر للسماء علّها تبدد اختناقاً استقر في حنجرته، ثم قال
بأحرف خرجت مرتجفة: بعد عشرين عاماً، ها أنا أيضاً بتركيا وبالمدينة ذاتها التي
رغبت لصديقي أن يقضي أيامه الحلوة بها، نعم ربما جلس مع زوجته هنا، أو ربما هناك،
لربما تذكرني حينها أو تذكر أغانينا، هو كان هنا، وأنا الآن هنا ولكن…
تتوالى التنهيدات من أبي محمد، ويسرقه الصمت من جديد للحظات،أظنه قد مرّر
فيها شريط ذكريات سريع، أو لعله نسي ذكريات الماضي البعيد، وتذكُّر ماضٍ قريبٍشكّل
جرحه العميق الذي يحاصر روحه العذبة،إذ قال: رفيق عمري هدّدني بالقتل، نعم هددني
بالقتل،وحجز لي اسماً في قوائم المطلوبين على حواجز التشبيح، غادرت اللاذقية،
غادرت صليْبة، وغادرت البحر الذي لطالما حضنتنا أمواجه معاً، كما حضنتنا موجات قلبَيْ
أمّي وأمِّه في طفولتنا، لم يستوعب أبو محمد لجوءه إلى تركيا بعد، هذه التي أرسل
صديقه عريساً لأسبوع عسل إليها لتستقبله الآن كئيباً يتذكر تلك الجدران التي حفظها
في صليبة،ويتذكّر تلك التظاهرات التي
ناصرت درعا وشهداءها في بداية الثورة، ويتذكر أن ساكن القصر الرئاسي لم يسرق من
سوريا شيبها وشبابها وزهورها وحسب، ولم يهدم المدن فقط، بل اغتال أجمل ما فيها،
اغتال تلك الضحكات التي تخرج بلا حساب واللقاءات التي تأتي دون مواعيد، اغتال
صداقاتناالتي أطعمناها سنوات عمرنا، ماذا يعني هذا؟ فليسقط النظام، وليأتِ آخر،
ويسقط، ويأتي آخر، ويسقط أيضاً،لكن هل تتبدل جدران الجيران؟ هل تسقط النوافذ
وأراجيح الطفولة المشتركة؟ هل تسقط سهراتنا، نكاتنا، غمزاتنا وتناغم أفكارنا
وشرفاتنا وأبوابنا، وتسقط الصداقات؟
صديقي أشهرَ سلاحه بوجهي،جُنّ جنونه كيف أتظاهر ضد نظام لطالما كان يشتمه
قبل الثورة؟ لطالما اتّهمه أنه تحاصص عائلي لإفقار الناس، كاد يضغط الزناد،
وأمهلني ساعات للمغادرة قبل أن تخترق رأسي رصاصاته.
كان جاداً، وعيناه تشتعلان ناراً، غادرتُ، كان لا بد من المغادرة، عبرت تلك
الجبال، وأنا أنظر بين قدمي كي لا أودعها، بات البحر الآن يفصلنا؛ أنا في مرسين
وهو في اللاذقية، أنا بلا عمل وهو يقطع الطرقات مع أصدقائه الجدد، ترى، هل ينظر
الآن لبيتي؟ بيت صديقه الخالي، ويشتم أم يبتسم؟ أم خبّأ رصاصة توعّدني بها؟ ترى هل
سطا على صور جمعتنا ما زالت في ذلك المنزل؟
غصّ أبو محمد، وصمت طويلاً، ثم نظر تجاه البحر، وقال: بعض الذكريات تحتاج
رصاصة رحمة كي لا ترافقنا كالمرض العضال.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث