الرئيسية / تحقيقات / صحافة النظام السوري.. “كأنك يا أبو زيد ما غزيت”!

صحافة النظام السوري.. “كأنك يا أبو زيد ما غزيت”!

دمشق – ناصر علي

“الثورة،
الفداء، العروبة، الوحدة، الجماهير، تشرين”، البعث ثم “الوطن”،
ليست شعارات لأحزاب قومية، أو هتافات شعبية من حقبة السبعينيات، بل هيأسماء الصحف
الكبرى للنظام السوري.

تلك التي ليس لها من اسمها نصيب، لا في الشكل،
ولا المضمون، حيث تصدر منذ 40 عاماً باسم الحزب الواحد، لتمجّد القائد الواحد،بقوالب
صحفية واحدة. ومن مصدر إخباري واحد، فيكفي المواطن السوري أن يقرأ واحدة من تلك
الصحف، وكأنه قرأها جميعاً. تلك التي فرضت عليهلسنوات، إذ يوزّع أغلبها في المؤسسات
الحكومية ودوائر الدولة،وإن كان لها منافذ توزيع أخرى،فغالباً ما تكون أكشاك فروع
الأمن المنتشرة في كل زاوية،لتنتهي في بيت المواطن السوري تحت مائدة الطعام. إذ أنّ
رداءةَ الورق والحبر الذي تطبع به لا يصلحان حتى لمسح الزجاج.

بعد ثلاث سنوات ونيّف من الصراع، عادت صحف النظام الثلاث”البعث،
الثورة، تشرين” لتتصدر أكشاك وأرصفة العاصمة دمشق، بعد أن أجبرت الصحافة
الخاصة أن تترك مكانها الذي حققته خلال السنوات الأخيرة بسبب هروب أصحابها أو
المعلنين الداعمين، لتبقى صحيفة رامي مخلوف “الوطن” تدّعي الاستقلالية
في حين أنهاتمثّل وجه النظام العائلي المستبد.

أمّا مضامين الثلاث العجاف فقد حافظت بما تبقى من
إعلامييها على لغتها المنفّرة وطبعاتها الباهتة، وتراجعت في تناول قضايا الناس ونقد
أداء الحكومة إلى مستوى صار معه انتقاد محاسب في دائرة حكومية يشبه خيانة الوطن، “فالبلد
في حرب.. والمعركة مستمرة مع المتآمرين”.

أما الجسد الإعلامي فلم يبقَ فيه غير المنتفعين
الممالئين أو الطائفيين الجدد، الذين درّبهم النظام كوجوه جديدة تمارس الحقد في
المؤسسة وعلى الجمهور.

تقشف كميونوعي

لم يكن أمام المؤسسات الإعلامية الكبرى للنظام كصحيفة
“الثورة” إلا أن تتقشف في الطباعة. فبعد أن وصل عدد نسخالصحيفة إلى
85000 في عام 2006، عاد إلى حوالي 35000 في 2013،
بسبب خروج مناطق كثيرة عن سيطرة النظام، وبالتالي غياب التوزيع فيها، هذا بالإضافة
إلى عدم قدرتها المالية رغم الموازنة الكبيرة المخصصة لها، حيث يشكو القائمونعلى
هذه المؤسسات من ذهاب الدعم المادي الأكبر للتلفزيون، وشراء أصوات الإعلاميين
المرتزقة الذين جنّدهم النظام من أنحاء الوطن العربي كافة.

لم تكن حال بقية المؤسسات أفضل من “الثورة”، فعمدت
“البعث وتشرين” إلى التدابير التقشفية نفسهافي غياب أية شفافية في
الحديث عن عدد النسخ ومناطق التوزيع، واستمرت في توزيع نسخها المجانية على المؤسسات
الحكومية والدوائر الرسمية للحفاظ على ما تبقّى من هيبة الدولة.

وكان من التدابير أيضاً، إيقاف كل الملاحق الثقافية
والاقتصادية وبعض الصحف الرياضية لكل الجرائد، والتوقف عن طباعة العدد المزدوج 24
صفحة، والاكتفاء بـ 12 صفحة باهتة الألوان والمضمون.

ويبدو أن التقشف وصل إلى الصحفيين أيضاً، ولكن، أيُّ
صحفيين؟

أولئك الذين
رفضوا النفخ في بوق النظام، أو الذين اختاروا الحياد، فحتى من بقي مع النظام، ولم يدلي برأي مخالف
لهواه، لم يسلم من الصفعات. فمنذ أسبوعين فصل رئيس حكومة النظام السوري، وائل
الحلقي، 51 صحفياً من أكثر من مؤسسة إعلامية بحجج كثيرة، أقلّها “إجازة بدون
أجر، أو لم يلتحق بعمله!، وهؤلاء بعضهم ذهب للبحث عن فرصة عمل، وآخرون هربوا
بعائلاتهم من ويلات ما يجري، أو تعرضوا لتهديدات من أطراف عدة.

بدائل هشة

على الرغم من هشاشة الجسد الإعلامي للنظام السوري الذي
احتوى على مدار أربعة عقود ديناصورات إعلامية منقرضة، لغة بليدة، خطاب خشبي، بلاهة
سياسية، إلا أنّ القادمين الجدد من أجل
مساندة ورفد هذا الجسد المتهالك زادوا على ما يبدو من هشاشته، وأبرزوا إعلاماً
تابعاً بغباء للأجهزة الأمنية التي أصبحت تصيغ لهم التقارير في فروعها، وتوزّعها
عليهم ليصنعوا مفاجآتهم المضحكة.

فقد استقدم النظام، وعبر دورات سريعة مجموعة من الصحفيين
الهواة الموالين طائفياً، ويعتبرون معركة النظام معركتهم. فبعد طرد “سميرة
المسالمة” رئيسة تحرير جريدة “تشرين” وتعيين “زياد غصن”
بديلاً عنها،لم ينفع كما يبدو ولاءه الظاهري، ولم يشفع له نفاقه، فأُبعِد،إلى أن
عين وزير إعلام النظام، عمران الزعبي،”رغداء مارديني” المعروفة بعقدها
الراديكالية.

أما في جريدة الثورة فقدسُلّمت لـ”علي القاسم”
الذي يعرف كلُّ مَنْ عمل في هذه الصحيفة أنه لم يكن سوى “مخبر” لأجهزة
الأمن السورية، ومشهور عنه طائفيته البغيضة وثقافته الهشة.

في حين أبت جريدة “البعث” أن يتغيّر شيء، سوى
تحويل الخطاب الجماهيري إلى خطاب عدواني عنيف بقيادة الرفيق، عبد اللطيف عمران، فاُستُبدلت
أطقمٌ بأكملها ببعض الخريجين الجُّدد والرفاق البعثيين الذين أوكلت لهم مهمة
الخطاب السياسي التحريضي.

بالمقابل فإن صحيفة “الوطن” الأخت غير الشقيقة
للصحف الرسمية الثلاث والمدللة بينها، حافظت على كادرها القليل مع أجره المادي
الأكثر تميزاً، لتكون المنبر الذي يبدي من خلاله “رامي مخلوف” وجهات
نظره في السياسة والاقتصاد.

وتمارس هذه الصحيفة اليوم انتهازية إعلامية يساعدها في
ذلك هفوات المعارضة، على سبيل المثال أفردت جريدة “الوطن” في عددها
الصادر يوم الثلاثاء 15-7-2014 مساحة كبيرة لآراء ميشيل كيلو وحازم نهار في سياسة
الائتلاف، وكيف اغتصبه الجربا؟ وقام بتولية هادي البحرة، و”أن الأصفار لا تلد
سوى الأصفار” على حد رأي “نهار” وأن الثورة فشلت، وأن الجيش الحر
قد انتهى.

“معارضة الداخل”

كانت صحيفة “قاسيون” آخر الجرائد التي رُخّص
لها بعد دخول “قدري جميل” إلى الحكومة وتأسيسه مع وزير “المصالحة
الوطنية” علي حيدر “
الجبهة الشعبية للتحرير والتوحيد”، قاسيون هذه التيتوصف وأخواتها بصحف “معارضة
الداخل” كما يدّعون. وتعدُّ من الصحف الحزبية التي أكل عليها الدّهرُ وشرب،
إلا أنها قد تكون أفضل من شقيقاتها “النور، صوت الشعب، البناء”التابعة
لأجنحة اليسار السوري المختلفة، والتي قصقصها
اليمين البعثي، فلم تعد قادرة على الطيران أعلى مما يجب، فباتتتردّد بغباء
لما تقوله أجهزة النظام، مع فرد مساحات لآراء أصحابها “أصحاب المعاول
والمطارق” ووجهات نظرهم في الصراع السوري في دفاعهم عن لقمة الشعب ورفضهم التدخل
الخارجي، وأن الحياه على أيديهم ” بقا لونها بمبي”.

وتتفّق هذه الجرائد جميعاً في كونها تلبس الثوب البشع نفسهمن
حيث الشكل والمضمون، وغالباً ما يكتب فيها مجموعة واحدة توزع الأفكار نفسهاعلى
الجميع، وليس لها قراء حقيقيون،فتوزّعفي الغالب على أعضاء الحزب والمصفّقين
والأصدقاء.

لا يحتاج القارئ وقتاً طويلاً حتى يحفظ عن ظهر قلب أسلوب
الصحف السورية، إذ تبدأ جميعهابالمانشيتنفسه. وأخبار الصفحة الأولى المأخوذة عن
وكالة “سانا”، بينما تسرق أخبار الصفحة الأخيرة من مواقع الإنترنت،
ويبدي رأيه في زاوية عصماء أحدُ الرفاق البعثيين.

كانت تلك الجرائد نوعاً من القهر الفكري، يمارَس على
القارئ السوري لأربعة عقود، ومحاولة لتشكيل وعيه ورأيه تجاه القضايا السورية
والعربية والدولية وفقاً لرؤية النظام، لكن بأسلوب فاشل بجدارة، وإلا كيف يمكن
لإعلام دولة ما انفكّ يحاول منذ 40 عاماً أن يطوع شعباً مستخدماً كلَّ الأدوات
والأساليب في سبيل ذلك؟ ثم يخرج هذا الشعب ليضرب بإنتاج 40 عاماً من الإعلام عرض
الحائط، “وكأنك يا أبو زيد ما غزيت”؟!

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *