صدى الشام - خاص/
مجد كردية هو فنان سوري ولد لأب مثقف حاول أن يبني أسرة مميزة، وأن يسهم في بناء وطن تسوده العدالة وتنمو فيه الديمقراطية الحقيقية التي تسمح ببناء الإنسان. لذا كان على مجد أن يعيش تجربة اعتقال والده مذ كان في عمر العامين، وكان عليه أن يعيش ذلك القهر الذي يصرخ من كل لون وكل كلمة يقولها: “اعتقل والدي عندما كان عمري عامان. ورأيته بعد ذلك لأول مرة، عندما كان عمري ستة أعوام. مضت أربع سنوات وهو في سجنه ولم يسمح لنا بزيارته.
بعد ذلك كنا نزوره في السجن مرة كل شهر لمدة نصف ساعة من خلف القضبان. داومنا على زيارته هناك ست سنوات. في إحدى المرات، ونحن نحمل طعاماً ولباساً لوالدي، ونقطع الطريق المتعرج الطويل بين موقف الباص وبوابات السجن السياسي الداخلية، رأيت فراشة برتقالية. تركت كل ما أحمله ولحقت بها.
فجأة صرخ جندي بصوت قوي: قف مكانك. ركعت أمي على ركبتيها. وكممت فمها بيديها. اقترب الجندي ببطء شديد مني، ورفعني بكلتا يديه عالياً، وأعادني إلى الطريق. قادتني الفراشة البرتقالية إلى حقل الألغام المحيط بالسجن. في تلك الرحلة الملغومة تعلمت اللون البرتقالي”.
يقول مجد: “أعطاني جدي قلم رصاص وطلب مني أن أفرغ ما في جوفي من خطوط سوداء على حيطان بيته. طلب أن أمارس الرسم والشغب معاً، وحين ترددت، خشية من عقاب جدتي، غمزني وقال: لا تهتم. لكل شيء ثمن يجب أن ندفعه، ثم كرر بإلحاح: ارسم … فقط ارسم. حتى اليوم، كلما أمسكت بريشة الرسم، تنطبع في اللوحة المقابلة مني، صورة جدي وهو يقول: (مجد، ارسم ما تشاء)“.
من ذلك اليوم بدأت علاقة مجد بالرسم وبالألوان وبدأ كل لون يعني له حالة حسية كاملة؛ “يذكرني الأسود والأبيض دائماً بثياب أمي وجدتي. وتذكرني الألوان الحارة بثياب الشابات على حوض الفرات.
أنا أرسم دائماً بالبارد من الألوان وبالحار منها. هذا ما أعرفه من الألوان. ولا أعرف الألوان الحيادية. إما أمي وإما الفرات، أقف أمام اللوحة البيضاء، وأفرك رأسي، كما كان يفعل جدي الأول، حين كان يقف أمام كهفه الفارغ، وأصابعه مبتلة بالتراب الأحمر. أشعر أني امتدادٌ لرحلةٍ تعب طويلة، بدأها الفنان الطيني الأول بدون أن يدري، وأكملها فنانو الحجر والشمع والآلات. وأنا أتعلم الخطوات، نفس الخطوات الطينية والحجرية، بألوان الشباب”.
أقام مجد معارض كثيرة في سوريا، كانت كلها في قاعات ودور خاصة. والسبب كان صعوبة حصوله على الموافقات من الفروع الأمنية في تلك الفترة، بسبب نشاطه ونشاط والده في السياسة. وقد نشط مجد مع شباب جيله ومع الكثير من الفنانين السورين، في ثورة الكرامة في سوريا، وهذا ما جعله عرضة للملاحقة. وقد رفض ترك سوريا في الفترات الأولى للثورة، لكن استمرار ملاحقته وكلام والده أجبره على الرحيل، “قال والدي: اذهب إلى تركيا، اذهب إلى لبنان، اذهب إلى المنفى، ولا تجعلني أراك في السجن. لا أريد أن أعيش الحالة مرتين، مرة في السجن، ومرة ابني داخل السجن. عندها خرجت إلى لبنان”.
وها هو مجد كردية يقيم أول معرض للوحاته في العاصمة اللبنانية بيروت، أو “عاصمة الاغتراب” كما يسميها مجد. وقد كان الحضور مجموعة كبيرة من الفنانين السوريين واللبنانيين.
ولعل أكثر ما ميز أعمال مجد هو مجموعة من اللوحات التشكيلية التي صممها عن طريق بعض القصائد الشعرية، من أبرزها “يطير الحمام” للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، حيث وظف كلمات القصيدة بالرسومات.
وصل عدد أعماله الفنية إلى 700 لوحة، استخدم في 30 منها قصائد شعرية لمجوعة من الشعراء، هم: محمود درويش، وابن الخطيب الأندلسي، وأبو صخر الهذلى. وقد تحدث كردية عن معرضه قائلا: “لا أبحث عن الشهرة، ولا أريد أن ألوث حياتي بغير الألوان. المعارض تسمح لي أن أنشر ما أحبه ليراه الناس. وأنا حلمي أن يرى الناس كلهم أحلامي وأحلامي جدي وأبي في لوحاتي. لا مكان للنقد في الفن، لأن مستقبل الفن يرسمه الفنان ذاته”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث