الرئيسية / تحقيقات / عيد السوريين يُفرَغ من معانيه.. بؤسٌ ومعاناة

عيد السوريين يُفرَغ من معانيه.. بؤسٌ ومعاناة

سما الرحبي

حياة اللجوء القاسية تطحن العائلة السوريةبكلّ مكوّناتها،وهذا يجعلهم يعيشون واقعاً مريراً، فلا يوجد أيُّ مظهر من
مظاهر العيد في أغلب المناطق التي يعيش فيها اللاجئون السوريون. والعيد من آخر
اهتماماتهم،فتغيب البهجة عن أيامهم.

اهتمامات العائلات السورية اللاجئة منصبة في الحصول على
الحاجيات الأساسية، ومستلزمات العيش، سعياً وراء الرزق في ظل الظروف الاقتصادية
الخانقة.

في تركيا وصل عدد اللاجئين السوريين إلى مليون ونصف
المليون بحسب الإحصائيات الأخيرة، من مقيمين داخل المدن، أو في المخيمات، فيأتي
العيد عليهم حاملاً أملاً بالعودة إلى سوريا منتصرين.

وعلى عكس الشائع، تتجلّى مظاهرُ العيد عند لاجئي
المخيمات أكثر من المقيمين في المدن، فالمخيمات اليوم باتت مدناً صغيرة، تحتوي
أسواقاً متنوعة المنتوجات، بالإضافة إلى صالونات التجميل، وألعاب الأطفال.

بعض اللاجئين خارج المخيّمات يعيشون في مخازن مستودعات وأقبية.

ومع قدوم فصل
الشتاء تبحث العائلات عن الكسوة لصغارها، وتأمين الرعاية الطبية، فلا وقت للعيد.

التحضير للمدارس، مشاكل السكن، اعتراف الشهادة، الأطباء المناوبون في المراكز الصحية،
هواجس الحاجات الأساسية، قليل جداً من تظهر عليه فرحة العيد، انغماس كامل في هموم
الحياة واللجوء ومصاعبه.
تقول نعمى فاخوري:”الدعم في المخيّمات وعمل المنظمات بها، يساعد بخلق أجواء
اجتماعية، فيما يختلف الوضع خارج المخيمات، الهم تأمين الاحتياجات الأساسية، كما تطبّع
السوريون بطباع الأتراك، أصبحوا يُحَضّرون السكاكر والشوكولا، بدلاً من صنع حلويات
العيد التقليدية في المنزل، إضافة لحالتهم المادة السيئة التي تمنعهم من
ذلك”.

تعمل بعض المنظمات المحلية والأهلية الإغاثية بتوزيع
الأضاحي على اللاجئين، وتشهد عملية التوزيع فوضى فهي لا تغطي الأعداد الموجودة،
تقول نعمى :” لا يخلو
توزيع الأضاحي في المخيمات من الواسطةوالمحسوبيات أو المناطقية،
مثلاً: إذا كان المسؤول عن التوزيع حلبياً،يقدم للحلبية،والعائلة المدعومة من طرف
كتيبة بالجيش الحر، يكون لها الحصة الأكبر
“.

في لبنان حيث نسبة اللاجئين السوريين الأكبر، إذ وصلت إلى
حدود مليونَيْ لاجئ، بينهم 500 ألف طفل في سن الدراسة، يقضون أيامهم بالبحث عن طرق
للتغلب على مشاكل اللجوء، بالعمل، والسعي وراء الجمعيات وتتبُّع أخبارها، وما
ستوزع، الحلم بالهجرة والسفر عبر المحيطات.

يقول الناشط حامد من البقاع:” هناك أولويات يعيشها
اللاجئ السوري، أوّلُها تأمين دواء، وطبابة أطفاله، خاصة في لبنان، إذ تُعدُّ تكلفة
الرعاية الطبية من أغلى التكاليف، على الرغم من وجود بعض جمعيات تعمل في المجال،
ومايزيد الوضع سوءاً قلة العمل، فيعيش الشباب وأرباب الأسر، هاجس البحث عمّا يجلب
مردوداً، والبحث عن مدرسة مجانية أو شبه مجانية بسبب العوز المالي، بالتالي كل هذه
الأفكار والمعاناة والواقع المؤلم يجعل العيد فارغاً من معانيه”.

يضيف حامد:”الأطفال منتشرون في الشوارع، يتعرّضون لأسوأ أنواع الضغط النفسي
والمشاكل الاجتماعية والفقر، لكن هناك بعض الجمعيات السورية في لبنان، تعمل على
رسم بسمة صغيرة على وجوه الأطفال، من خلال توزيع الحلوى، واللباس، والتحضير
لنشاطات ترفيهية، لكن لا تتجاوز نسبة التغطية والتوزيع 5% من الأطفال”.

يختم حامد:”يبقى الطفل أكثر عرضة للأضرار في بلد
اللجوء، ويحتاج للعناية والاهتمام الأكبر، لذلك يجب على كل العاملين في المجال
الإنساني والإغاثي، أن يحاولوا خلق الفرحة، ولو كانت مؤقتة وفي المناسبات، فأن
تقدم القليل أفضل من لا شيء، ليشعر الطفل اللاجئ ببعض ما يشعر به أقرانه الذي
يعيشون حياة طبيعية”.

ويبقى الجواب الوحيد عند سؤال العائلات اللاجئة في دول الاغتراب عن تحضيراتهم
لاستقبال العيد، “ألا عيد إلا في العودة إلى سوريا”.

المناطق
المحاصرة

يأتي العيد في جبل الأكراد المُحرَّر، في ريف مدينة اللاذقية،
كأيِّ يومٍ عاديٍّ، تغيب البهجة عن نفوس الأطفال
والأهالي، ينشغلون عنه بتأمين قوت
يومهم في ظل قهر الحصار والحرمان من أبسط الحقوق والمقومات الأساسية للحياة.

أم يارا من ساكني الجبل، فقدت منزلها الشهر الماضي عندما
استهدفه طيران النظام، نزحت بعدها مع ابنتها إلى مدينة أنطاكية التركية، ما لبثت
أن عادت لتعيش أجواء العيد مع أهلها، تقول:”لم أحتمل وصفي باللاجئة بعيداً عن
أرض الجبل، أو استنشاق هواء غيره، يمثل العيد بالنسبة لي لقاء الأهل والأحبة،
بعيداً عن المظاهر الاحتفالية من صنع حلوى أو شراء ملابس
، التي اعتبرها، رفاهية مفرطة في وضعنا الحالي مع غياب أبسط حقوقنا في
العيش الكريم”.

تضيف:”أطفال جبل الأكراد يرسمون صورة الأعياد الماضية على
صفحات دفاتر الرسم التي تحوي في طياتها كلّ تصوُّراتهم عن الماضي المنصرم والحاضر
الموجع والمستقبل المغرق بسوداويته نتيجة الواقع المؤلم”.

في “دوما” لا يختلف الوضع كثيراً، فلم يتم التجهيز للعيد من أغلب قاطني
المدينة الثائرة، يأتي كسائر الأيام مع تسمية مختلفة،
العوز وارتفاع الأسعار، بعد القصف
لهم
تأثير كبير على جميع المناسبات الاجتماعية،
والدينية، ومنها العيد.

في
الغوطة الشرقية، دائماً ما يكون سعر البضائع أضعافاً مضاعفة، مقارنة بغير مناطق
بسبب الحصار المطبق، وقلة الموارد وأسباب المعيشة، ونتيجة لذلك عادت معظم العادات
القديمة، مثل خياطة الملابس ضمن البيوت، لعدم وجود الثياب الجاهزة في الأسواق،
وارتفاع سعرها إن وجدت، وغيرها الكثير.

في
دوما، انعدمت الطبقات الاجتماعية، الحال واحدة عند الجميع، فقير أو فقير جداً،
هناك لم يعد يتميّز بيتٌ عن بيتٍ آخر، فالطعام والشّراب واللباس واحد ممّا يتوافر
في الأسواق.

وتزامناً
مع بداية فصل الشتاء، عملت عدة مؤسسات وجهات إغاثية على تأمين الثياب الشتوية،
والتدفئة وغيرها. من ضمنها الجمعية الخيرية في مدينة دوما ومنظمة أسس والمكتب
الإغاثي الموحد في الغوطة الشرقية.

كما حُرِم أطفالُ مدينة دوما من اللهو في ساحات الألعاب التي كانت تُجهّز خصيصاً
لأيام العيد، فمعظم المؤسسات والهيئات أعلنت توقفها، لحمايتهم، بسبب ما طال
المدينة من قصف ثالث أيام العيد الماضي، والذي أودى بحياة ما يقارب ٣٠ ضحية،
معظمهم نساء وأطفال.
يقول العم محمد أحد قاطني المدينة:”بالنسبة للمناطق المحررة والمحاصرة لم يعد
يوجد طفل بمعنى طفل، وإنما تطلق هذه التسميات على صغير القامة فقط، أطفالنا لم
يعرفوا الطفولة، والعيد خلال ٤ سنوات من الثورة والحصار والجوع، تنعدم أجواء العيد
وما يتبعها من تحضيرات الزيارة، الأكلات ..الخ، هو يوم كغيره”.

مضيفاً:”الجبهات مشتعلة، لا يميز المقاتلون
يوماً عن آخر، لا بالفرح ولا الحزن،هم ملتزمون بنقاطهم، عيدهم الوحيد يكون يوم
إسقاط النظام”
.

الهمُّ واحد في دوما، لسان حال أهل المدينة
وكلام الشارع الآن، حطب التدفئة، وكيفية الحصول على الموارد الأساسية في ظل العوز
الشديد، لا يذكرون العيد إلا سهواً، من الأشخاص المتمسّكة بمبادئ الحياة، أو ممن
تكون له وظيفة ضمن مؤسسات المدينة، فعطلته أيام العيد هي من تذكره.

“أبو الفوز” من المدينة المحاصرة، لم
يستطع أن يجلب لأطفاله الثلاثة ثياباً جديدة، فتصل تكلفة كسوة كل طفل إلى 15 ألف
ليرة سورية،
أما كيلو لحم الأضحية فيصل إلى 1275 ليرة سورية، كما يدور حديث بينه وبين زوجته يومياً عن
الموضوع،
وفي النهاية تقول له:” طيب، مشان الله جبلنا شوية
موالح، بس لنحس أن الدنيا عيد”.

يقول:”من عاداتنا كريفيين في مجتمع عربي، تنظيف المنازل “تعزيل” قبل
المناسبات، لكن في دوما لا تُنظّف المنازل، ذلك أن الطبخ والتدفئة تكون على الحطب،
فمعظم البيوت امتلأت بطبقات سميكة من مادة الشحار، والتي لا تذهب إلا بالدهان، وهو
غير متوفر في الغوطة، فيقتصر التنظيف على ترتيب البيت والمسح فقط”.
ويختم حديثه قائلاً:”تكاد لا تخلو عائلة من شهيد أو معتقل، إلا من رحم ربي،
والفرحة الوحيدة للعائلات هي الأضاحي، فهناك ترقُّبٌ شديدٌ، واستعداد لقطعة اللحم
التي من الممكن أن توزع في هذا العيد، فرحتهاتضاهي فرحة قدوم العيد”.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *