آدم الحمود
منذ الظهور السريع والمفاجئ
لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” في نيسان (أبريل) من
العام الفائت، وحتى تحوُّله إلى دولة الخلافة في29يونيو من العام الجاري، كان هذا التنظيم ولا يزال بصورته
“المهجّنة” عن القاعدة ووحشيته غير المسبوقة، حديث الساعة في وسائل
الإعلام والشارع على حدٍ سواء، لكن في الآونة الأخيرة تحولت بوصلة وسائل الإعلام– الغربية
منها على وجه الخصوص- من التركيز على التنظيم بصورة عامة ككيان إرهابي يهدّد ليس
فقط أمن واستقرار المنطقة العربية، وإنما العالم ككل، إلى التركيز على أحد جوانبه
الشائكة والغامضة بآنٍ معاً، ألا وهو عناصر التنظيم الغربيون، وهم الإسلاميون
المتطرّفون الذين قطعوا آلاف الأميال قدوماً من مختلف الدول الأوروبية وأميركا
ليقاتلوا تحت لواء خليفتهم البغدادي.
وقد بدا هذا التركيز جليّاً
بعد ظهور الفيديو الصادم لإعدام الصحفي الأميركي “جيمس فولي” على يد أحد
الجهاديين البريطانيين والذي يعتقد أنه من أصول مصرية وهو، “عبد المجيد عبد
الباري”، أو الجهادي “جون” كما يعرف بين رفاقه من مقاتلي التنظيم.
حيث أدركت الدول الغربية منذ ذلك الحين بأنه مقارنة بأقرانهم من الجهاديين
“غير الغربيين”، فإن جهادييها يشكلون خطراً مضاعفاً، فهؤلاء الأخيرون
خلايا نائمة وقنابل موقوتة في عقر الدار الغربي بإمكانها تكرار مأساة 11 أيلول في
أي من عواصمه.
لكن مؤخراً، طفت إلى السطح
ظاهرة جديدة تسترعي الاهتمام، وهي “توبة” بعض عناصر التنظيم الغربيين،
وانشقاقهم عنه، أو على الأقل التصريح بنيتهم لفعل ذلك، فقد نشرت صحيفة الـ(ديلي
ميل) البريطانية مقالاً الأسبوع الفائت، قالت فيه، ” أن أحد جهاديي داعش
البريطانيين في سوريا اتصل بمركز دراسات التطرف والعنف السياسي في جامعة
“كوين” اللندنية طالباً وساطتهم مع الحكومة البريطانية لكي يعود هو
ثلاثون بريطانياً آخرين من رفاقه”، قال إنه يتحدث باسمهم.
وقد عزا هذا الجهادي رغبته والآخرين في العودة
إلى عدم رضاهم عما آل إليه الصراع في سوريا. حيث جاؤوا بغية إسقاط نظام الأسد، وإذ
بهم يقاتلون فصائل المعارضة الأخرى، ولاسيما الجيش الحر. إلا أنه بنفس الوقت، يخشى
هؤلاء “التائبون” عواقب العودة إلى ديارهم، فقد يواجهون هناك تهم إرهاب
قد تصل أحكامها إلى أكثر من ثلاثين عاماً، وهذا ما دفعهم لطلب تلك الوساطة لكي
يعودوا، حيث عبّر أحدهم عن مخاوفه للباحثين في جامعة “كوين” قائلاً:
“جئنا لقتال نظام الأسد، وبدلاً عن ذلك وجدنا أنفسنا متورطين في حرب عصابات
لا طائل منها، لكننا سنذهب إلى السجن إذا ما عدنا”. من الجدير بالذكر هنا أن
بريطانيا تحتل الصدارة بين الدول الغربية من حيث عدد الجهاديين القادمين إلى سوريا،
فقد بلغ عدد مواطنيها هناك نحو 500 عاد منهم ما يقدّر بـ 250 جهادي، يمثُل 40 منهم
أمام المحاكم الآن بتهم متعلقة بالإرهاب.
تضع مسألة
“التائبين” من الجهاديين البريطانيين حكومة كاميرون أمام معضلة أخلاقية
وقانونية، فمن ناحية، يتحتّم على القضاء عدم إظهار أي لين في التعامل مع الإرهاب،
فقد يُشجع ذلك آخرين على الالتحاق بركبه، لذلك يجب إنزال أشد العقوبات بالمتورطين جزاء
جرائمهم في سوريا وغيرها. لكن من ناحية أخرى، تدرك السلطات البريطانية جيداً، أن
تصلبها في موقفها وتمسكها بعقاب هؤلاء الجهاديين، لن يؤدي بهم إلى الرجوع عن
توبتهم فقط، وإنما سيدفعهم إلى اليأس وبالتالي التطرف أكثر. ليس هذا فحسب، لكنه
سيردع آخرين منهم عن مجرد التفكير في ترك التنظيم والعودة، لذلك فإن هذه المعضلة
تترك الحكومة البريطانية أمام خيارين أحلاهما مُرُّ.
لكن بالنظر إلى المسألة من ناحية مختلفة، فإن بإمكان
بريطانيا أو أي دولة غربية أخرى، لها مواطنون ضمن التنظيم أو أي تشكيل إرهابي آخر،
تحويل قضية التائبين لصالحها والاستفادة منها، عن طريق تشجيع هؤلاء على العودة
واحتضانهم مجدداً بهدف درء خطرهم المحتمل عليها، وعلى الدول التي ذهبوا إليها. وقد
تستفيد الاستخبارات البريطانية من معلومات قد يمتلكها العائدون عن مواطنين آخرين
لها هناك، أو خلايا نائمة وشبكات تجنيد تعمل ضمن الأراضي البريطانية، أو حتى
معلومات عن هجمات محتملة قد يخطط التنظيم لشنها ضد مصالحها.
وقد يكون هؤلاء الجهاديون مفيدين على صعيدٍ، لا
يقلُّ أهمية عما سبق ذكره، وهو الاستعانة بهم في دعاية مضادة لتلك التي يروج لها
التنظيم عن طريق ناشطيه المنتشرين على الشبكة العنكبوتية، والتي يجند عن طريقها
الشباب الغربي، مستغلاً مشاعرهم المحتقنة جرّاء إجرام بشار الأسد من جهة، ويأسهم
تجاه الصمت الدولي عن تلك الجرائم من جهة أخرى. فمن خلال المنشقين عن داعش، يمكن
فضح انتهاكاته وزيف ادعاءاته بأن دولة الخلافة سبيل الخلاص للشعوب المسلمة من
معاناتها التاريخية، وأن التنظيم، والتنظيم وحده هو “صكّ غفران” هؤلاء
الشباب الذي سيضمن لهم نعيم الآخرة المقيم.
فإذا قررت الحكومة
البريطانية أو الحكومات الغربية بصورة عامة أن تتبنى مثل استراتيجية كهذه، فإنها
قطعاً لن تكون بالمهمة اليسيرة، حيث سيتوجب أولاً ضمان سلامة هؤلاء المنشقين
وإيجاد ممر آمن لعودتهم، ثانياً سيكون على حكوماتهم تقديم ضمانات تقي من لم يوغل
منهم في الإجرام من الملاحقة القضائية، أو على الأقل ضمان أحكام مخففة لهم، ثالثاً
وهو الأهم، إخضاع من عاد إلى برامج إعادة تأهيل ودمج إجبارية يشرف عليها خبراء في
هذا المجال، يكون الهدف منها إقناعهم بالتخلي عن أيديولوجيا التطرف التي أودت بهم
إلى اعتناق الإرهاب كنهج. مثل هذه البرامج كان قد اقترحها في وقتٍ سابق رئيس حزب العمال البريطاني، “إيد
ميليباند” لكنها قوبلت بالرفض من الحكومة بحجة أنها ستساعد المتورطين في
الإفلات من العقاب. قد يكون في ذلك شيءٌ من الصحة، إلا أن توبة هؤلاء الجهاديين
تمثّل بالمقابل فرصة ثمينة بمقدور سلطات بلدانهم استغلالها قبل فوات الأوان، فبمساعدة العائدين تستطيع أن تعرف من يفكّر من
مواطنيها وغيرهم باتباع هذا النهج أن العراق والشام ليستا “أرض الخلافة
الموعودة”، وأن الإرهاب ليس أقصر الطرق إلى جنّات عدن أو تأشيرة الدخول
إليها. وبذلك تكون هذه الحكومات قد استعانت على هزيمة داعش بداعش نفسها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث