مرهف دويدري
في مسرحيته الأخيرة “خارج السرب” يستطيع الشاعر “محمد الماغوط”أن يطرح مفهوم التخلُّص من الاستبداد بالحنين إلى الاستعمار، الذي ربما كان في وقت من الأوقات رحيماً بالشعب الذي يحتله أكثر من تلك الأنظمة العسكرية المستبدة.
في ذاك المشهد الذي يصوّر فيه “عاطف” حارس المسرح الذي من المفترض أن تعرض فيه مسرحية “روميو و جوليت” يباشر “عاطف” بتنظيف المسرح على دندنة لحن أغنية السيدة فيروز “أنا عندي حنين ما بعرف لمين” يقف عاطف مندهشاً، ليسأل نفسه “صحيح أنا لمين عندي حنين؟” يستطرد عاطف، وهو يتابع تنظيف المسرح، ويجاوب نفسه “يمكن للاستعمار”.
لم تكن هذه الجملة التي اعتدناها من كاتب احترف السخرية السياسية على مدى سنوات طويلة من خلال مقالاته الإشكالية؛ لم تكن تلك الجملة أن تفعل في نفوسنا ما تفعله، لولا أن فكرة الحنين إلى الاستعمار وتلك الحالة النفسية الغارقة في الحقد على ذاك النظام، الذي ربما أوصلتنا ممارساته البشعة إلى درجة حب مفهوم الاستعمار سواء على المستوى التاريخي للمفهوم، أو على المستوى الواقعي لإنهاء هذه الأنظمة حتى ولو بيد الاستعمار مرة أخرى.
يتحدّث الداعية الإسلامي الأستاذ “جودت سعيد” عن مفهوم الاستعمار “الحقيقة أننا نحن أبناء منطقة الشرق الأوسط فكرنا في الاستعمار أو الحالة الاستعمارية بشكل عام قبل أن تفكر الدول الاستعمارية ذاتها بهذه الفكرة الذهبية”، ولعل التاريخ يثبت مقولة الأستاذ”جودت سعيد” عبر لجوء العرب لفكرة الاستعانة بالاستعمار للتخلص من الاستبداد، والقمع، والنهب لمقدرات الشعوب حيث بدأت، وبشكل جلي هو الاستعانة بالعثمانيين للتخلص من استبداد المماليك الذين حولوا المنطقة العربية إلى مزرعة لكبار ضباط الجيش المملوكي حتى بعد تمزيق الدولة المملوكية، وبعد أربعمائة عام استعان أحفادهم بالدول الأوربية للقضاء على استبداد العثمانيين وبدأ مرحلة جديدة من الاستعمار الأوروبي.
لعل مناسبة الحديث عن الاستعمار ليست بعيدة عما يحدث الآن بعد هجمات التحالف الغربي لضرب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام أو ربما القضاء على الإرهاب حسب التصريحات الأمريكية والغربية داخل سوريا والعراق، وبعيداً عن الكلام السياسي حول تقييم الضربة يظهر لنا الاختلاف الكبير في مواقف المثقفين السوريين حول مشروعية الضربة الغربية. حيث تحول جزء منهم إلى مؤيد شديد لتك الضربات النوعية التي قد تشل قدرات “الإرهاب” الذي يمثله تنظيم “داعش”بشكل واضح، واتفق بعض هؤلاء المثقفين في تغيير صورهم الشخصية على صفحاتهم “الفيسبوكية” إما لصورة العلم الأمريكي أو صورة الرئيس الأمريكي، وهم في الغالب من الكورد السوريين، لأن التحالف يحاول فك الحصار عن “عين العرب” (كوباني) في الشمال السوري على الرغم من اشتراك عدد كبير من الدول في هذه الضربة ليبرر بعضهم هذه الضربات بأنها شلّ اليد اليمنى للنظام السوري.
يقول الإعلامي”وافي بيرم”، ” أنا مع الضربة الأميركية لتنظيم “داعش” لعدة أسباب: تكون هذه الضربة هي كسر لذراع نظام الأسد التي تطول المناطق التي سلمهم إياها على طبق من ذهب ليعيثوا فساداً، فيها ومن ثَمَّ ستأتي بتطورات جديدة على المنطقة، مع الأخذ بالعلم أنني لا أرتاح لنوايا الولايات المتحدة، إلا أن عدم تدخلها أيضاً لن يغير شيئاً، فالتنظيم يتمدد على حد قوله، وينال من جميع فئات الشعب، وينكّل بهم، على الأًقل سيعود الدور للكتائب المعتدلة التي هُمّشت، والتي تحمل شعارات الثورة وأهدافها حتى لو لم توجه بعض الضربات للنظام، وهناك سبب آخر أن تخبط التصريحات التي وقع فيها النظام تدل على أنه أصيب بمقتل، أما الجيش الحر فتتحول مهمته من تحرير الأراضي من أيدي النظام إلى المحافظة على مواقعه من النصرة و داعش، ومن النظام الكثير يرفع لافتات ضد الضربة الأميركية، ولكن إن سألتهم أين الحل؟ فسيكون لا شيء كالعادة، الفاتورة تدفع بكل الأحوال وما علينا سوى الانتظار، وسيكون هناك تطورات لصالح الثورة ولمصلحة أمريكا في نفس الوقت”.
على الطرف المقابل، وقف بعض المثقفين ضد هذه الضربة الأمريكية، ومبرّرهم أنهم ليسوا في صف تنظيم “داعش” الذي يعتبرونه أنه السبب الرئيسي في تدمير الثورة إلا أنهم يعتبرون أن الضربة الغربية لقوات التحالف غير مجدية ما لم تطَل قوات النظام التي فتكت بالبلاد.
يقول الصحفي همام عبد الودود يوسف على صفحته الشخصية، ” لست إلا مع القضاء على داعش، ولهذا بالضبط، ولأن السياسة الأمريكية تدّعي أنها تريد قطع رأسها، فالأولى بالقصف هو مراكز قيادة التنظيم الأم… أهمها القصر الرئاسي الأسدي”، أما الإعلامية ياسمين مرعي تؤكد حول الضربة الغربية “من شردني من حمص هو نظام بشار الأسد، من تسبب بموت والدي هو نظام بشار الأسد، ثأري يبدأ هناك في دمشق المحتلة”.
إذاً: هو ذاك الحنين للاستعمار يشعل في داخلنا جذوة الأمل بالخلاص من مستبد استباح كل شيء إلى استعمار، يعرف كيف يروّض كل الذين أحبوه على طرفي المعادلة سواء للقضاء على “داعش” أو الأسد الداعشي.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث