أمين البنا- صدى الشام/
عبر الباحث الأثري في جامعة السوربون الفرنسية، الدكتور أنس المقداد، عن امتعاضه الشديد مما وصفه بـ”التخريب المتعمد” الذي تعرض له بناء المسجد العمري في مدينة بصرى الشام، وذلك رداً على حملة الترميم الأخيرة التي قام بها المجلس المحلي التابع للمعارضة.
فمنذ أيام قليلة، أعلن المجلس المحلي في مدينة بصرى الشام انتهاء العمل في بناء قبة داخل حرم المسجد العمري في المدينة، بعد تغطياها بالأحجار البازلتية، لأغراض تجميلية فقط.
وذكرت مصادر محلية خاصة لـ”صدى الشام”، أن تكلفة بناء القبة الجديدة على الأعمدة القديمة، وصلت لحوالي ثلاثة ملايين ليرة سورية. وجراء ذلك، عبرت نفس المصادر عن تذمرها من إنفاق هذا المبلغ على أمور ثانوية، وغير مدروسة معماريا، في الوقت الذي تعاني فيه المؤسسات الخدمية، وخصوصاً المراكز الصحية في المدينة، من شح في الموارد المالية.
مصادر: وصلت تكلفة بناء القبة الجديدة على الأعمدة القديمة، إلى حوالي ثلاثة ملايين ليرة سورية، وهو إنفاق غير مبرر في ظل تردي الأوضاع الإنسانية الحالي في المدينة.
وقال المقداد، العميد السابق لكلية الآثار في جامعة حلب، في تصريحات خاصة لـ”صدى الشام”: “لا يعتبر بناء القبة في مكان بيت مال المسلمين السابق داخل حرم المسجد ترميماً، بل للأسف هو تشويه بكل معنى الكلمة، وخصوصاً أن البناء جاء مخالفاً لمعالم المسجد”.
وأوضح الخبير الدولي في الآثار الكلاسيكية (البيزنطية والرومانية)، أن المكان الذي تم بناء القبة فيه، هو مكان لم يتم استهدافه أصلاً، مشيراً إلى سلبيات أحدثتها إضافة القبة الجديدة الغريبة عن طابع المسجد المعماري.
وأضاف قائلاً، “كان الأجدر أن تنفق هذه الأموال على ترميم سقف المسجد المصنوع من الخشب، وذلك بالنظر إلى الحالة السيئة التي وصل إليها، لكن الجهل يفعل فعله”.
بالمقابل عدّ الصحفي حارث المقداد، “بناء القبة الجديدة يكمّل الأعمدة البازلتية القديمة الأربعة، التي كانت موجودة في داخل حرم المسجد”، مشيراً إلى أن “عملية البناء لم تستغرق أكثر من شهر”.
ورداً على الانتقادات التي وجهت للعمل، قال حارث المقداد في تصريحات خاصة بـ”صدى الشام”، إن “المجلس المحلي الذي قام بالعمل، أعلن عنه على الملأ، ولم يكن بناء هذه القبة سراً. وعليه فإن عدم العلم هو تقصير من الشخص، وليس تقصيراً من المجلس المحلي”.
لكن وبالمقابل، نفى الدكتور أنس المقداد أن يكون قد تمت استشارته بهذا الشأن، وقال: “تواصلت مع مدير الآثار والمتاحف في المدينة سليمان العيسى، ونفى بدوره أن يكون على علم مسبق بالأمر أيضاً. علماً أن هنالك اتفاق بيننا يقضي بمشورتنا قبل القيام بأدنى حركة”.
وفي الوقت الذي تعذر فيه التواصل مع المجلس المحلي في مدينة بصرى الشام، وذلك بعد الإعلان عن عزل المجلس المحلي قبل أيام، أشارت مصادر مقربة من الجلس إلى أن العمل استغرق جهوداً كبيرة من القائمين عليه.
د.أنس المقداد: ليس للقبة التي صنعها المجلس المحلي أصل، وليس لها وظيفة معمارية، ولم تكن هناك قبة أصلاً منذ بناء المسجد أيام الخليفة عمر بن الخطاب.
غير أن الدكتور أنس المقداد رأى أن “العمل الدؤوب بدون الرجوع إلى أهل الخبرة، هو عمل أشبه ما يكون بالنحت في الهواء”، مضيفاً “ليس لهذه القبة أصل، وليس لها وظيفة معمارية، ولم تكن هناك قبة أصلاً منذ بناء المسجد أيام الخليفة عمر بن الخطاب”. وهو ما يفتح الباب على تساؤلات كثيرة حول الهدف الحقيقي من القيام بمثل هذا الترميم المكلف.
يعتبر المسجد العمري في مدينة بصرى الشام من أقدم المساجد السورية التي حافظت على تفاصيلها المعمارية، ويعرف بالجامع العمري نسبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب الذي أمر ببنائه، وذلك في عهد الإسلام الأول، كما اشتهر سابقا باسم جامع العروس. وكان حرم المسجد قد شهد حملات ترميم عدة، كان آخرها في ثلاثينيات القرن الماضي، برعاية فرنسية.
يذكر أن المناطق الأثرية في بصرى الشام عانت من عمليات النهب والتنقيب غير المشروع الموثقة، بحثاُ عن الكنوز، على أيدي قوات النظام، التي حولت المدينة إلى ثكنة عسكرية، قبل أن تتمكن قوات المعارضة من بسط سيطرتها عليها في آذار/مارس 2015، وتقديم كل الجهود اللازمة للمحافظة على ما تبقى من معالم المدينة.
أدى القصف المتقطع بالبراميل والقذائف الصاروخية إلى فتح هوة في الجدار الغربي للمسجد، فضلاً عن تدمير سقف الباحة المسقوفة، كما أدى أيضاً إلى تحطيم أجزاء من المئذنة.
وعقب استعادة المعارضة السيطرة على بصرى الشام، تعرضت المناطق الأثرية في المدينة إلى قصف متقطع بالبراميل المتفجرة وبالقذائف المدفعية والصاروخية، طال كلا من القلعة الأثرية والكنائس الأثرية وموقع سرير ابنة الملك، إضافة إلى المسجد العمري الذي يقع في منتصف المدينة الأثرية، ما أدى إلى فتح هوة في الجدار الغربي للمسجد، فضلاً عن تدمير سقف الباحة المسقوفة، كما أدى أيضاً إلى تحطيم أجزاء من المئذنة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث