سامر كنجو
شكّل خبر وفاة خمسة عشر طفلاً في ريف إدلب أثناء حملة
التلقيح ضد مرض الحصبة صدمةً للكثيرين، كلٌّ حسب اهتمامه، ففي الوقت الذي رأيتُ
فيه رئيس فريق التلقيح في حالة ذهول وصدمة عقب سماعه الخبر وكأنه يُحمّل نفسه
مسؤولية ما جرى، كان وزير الصحة في الحكومة المؤقتة يفعل ما بوسعه أمام الصحفيين
ليقول إنه ليس المذنب في تلك الحادثة، ليدفع عن نفسه شبح الاستقالة أو الإقالة.
البداية:
بدأت القصة يوم الثلاثاء في السادس عشر من أيلول، عندما
بدأ فريق التلقيح ضد مرض الحصبة عمله كالمعتاد في محافظتي إدلب ودير الزور، حيث
كانت المرحلة الثانية انطلقت قبل ذلك بيوم، فيما كانت المرحلة الأولى انتهت قبل
أسابيع، ليتم تلقيح أكثر من 47 ألف طفل خلال المرحلة الثانية قبل حصول الفاجعة،
ليعلن بعد ذلك عن إيقاف الحملة.
الإعلان عن إيقاف الحملة جاء أولاً من مديرية صحة إدلب
عقب وفاة عدد من الأطفال الملقحين وإصابة العشرات، وفور الحادثة بدأ البعضُ يهمس
بوجود عمل جنائي مُدبّر، خاصة مع تأكيد الأطباء أن اللقاحات لا تؤدي للوفاة حتى في
حال فسادها، لأن فسادها يعني موت الجرثومة الضعيفة الموجودة في اللقاح ما يعني أن
الجرعة أصبحت عديمة التأثير سلباً او إيجاباً.
تخبُّط حكومي ومؤتمر فاشل:
عقب الحادثة بعدة ساعات، أعلنت وزارة الصحة في الحكومة
السورية المؤقتة عن نيتها عقد مؤتمر صحفي لشرح ملابسات ما جرى، إلا أنها ألغت
المؤتمر قبل موعده ببضع دقائق فقط، قبل أن تعيد الإعلان عن إقامته مساء في اليوم نفسه
في مؤشر واضح على حجم التخبط الذي كانت تعيشه وزارة الصحة عقب وفاة الأطفال، وهو
ما بدا واضحاً بشدة في المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الصحة، والذي كان متفاجئاً من أسئلة الصحفيين،
وعاجزاً عن تقديم أية معلومات حول الأمر، وإذا كان مفهوماً عجزُ الوزارة تقديم
معلومات عقب الحادثة بساعات فقط، فإن الأعراف السياسية تقضي بالقيام ببعض
الإجراءات لامتصاص ردود أفعال الرأي العام والإعلام، كأن يتم الإعلان عن حداد
رسمي، أو تعويض لأهالي الأطفال، أو إقالة بعض المسؤولين كخطوة سياسية على الأقل،
إلا أن شيئاً من ذلك لم يحصل في اليوم الأول، واكتفى بالوزير بالشكوى لعدم توفُّر
الإمكانات، ونفيه استعداده للاستقالة بانتظار لجان التحقيق.
مؤتمر آخر واستقالة وهمية:
في اليوم التالي أُبلغَ بعضُ الصحفيين من مكاتب الحكومة
عن وجود مؤتمر صحفي لرئيس الحكومة حول الموضوع ذاته، إلا أن المفاجئ في المؤتمر
هذه المرة أن إرسال الدعوات للصحفيين جاء انتقائياً بعد قيام مكتب الحكومة
الإعلامي بشطب عدد من أسماء الصحفيين من قائمة الدعوات المعتادة، كخطوة أولى في
عمل الفريق الإعلامي الجديد للحكومة بعد تعيينه مؤخراً!؟.
في المؤتمر المذكور أُعلن عن استقالة وزير الصحة، وإقالة
مدير صحة ادلب ومدير مركز سنجار الصحي، إلا أن استقالة الوزير بقيت حتى نهاية
الأسبوع دون تنفيذ، وكأنها خطوة في الهواء لامتصاص غضب الإعلام والرأي العام.
على الأرض:
تداعت الأحداث بعد وفاة الأطفال على أكثر من صعيد، فعلى
المستوى الأمني قامت كتائب عسكرية باحتجاز أربعة ملقّحين على الأقل بانتظار إعلان
نتائج التحقيق، فيما رأى البعض جانباً إيجابياً في تلك الخطوة، التي من شأنها أن
تحمي الملقّحين من غضب الأهالي، وتحافظ على حياتهم.
وفي السياق ذاته، وقبل ظهور أي إعلان رسمي لتفسير ما
جرى، سارع إعلام المعارضة ليتحدّث عن خيوط عمل جنائي، وغمز البعض من بوابة النظام،
فيما كان النظام وإعلامه يشير بأصابع الاتهام إلى السلطات التركية وإلى منظمة
الصحة العالمية متهماً إياهما بارتكاب مجزرة بحق أطفال سوريا، بعد إعطائهم لقاحات
فاسدة!!
رسمياً أصدر الائتلاف الوطني بياناً يعزّي فيه بالأطفال،
ويتّهم نفسه وفريق المعارضة دون أن يدري، حين رجّح أن يكون سبب الوفاة هو
“لقاحات فاسدة”، في دلالة واضحة على التعاطي العشوائي مع الحادثة من الائتلاف،
حيث كان يمكن لأي طبيب مختص أن يؤكد أن اللقاحات الفاسدة لا تؤدّي إلى هذه النتيجة
الكارثية، وربما كان على الائتلاف أن يعزّي في الأطفال دون أن يخوض في تفاصيل أخرى
قبل خروج نتائج التحقيقات.
ماذا حصل إذاً؟
النتيجة التي خرجت بها تحقيقات لجنة من الأطباء، لم
توافق اتهامات وسائل المعارضة أو وسائل النظام، ولم توافق أيضاً توقُّعات بيان
الائتلاف، حيث جاء بيان أصدره فريق مكافحة الحصبة في اليوم التالي، ليتحدث عن وجود
مادة مخدّرة استخدمت خطأ في عملية التلقيح، وأنها وجدت في الترامس المستعملة في
عمليات التلقيح.
وفي هذا السياق علمت “صدى الشام” أن اللقاحات كانت
تحفظ في مشفى جرجناز، وهو مصدر اللقاحات التي توجهت للقرى المجاورة، حيث خُصّص برّاد
لحفظ اللقاحات كما عُيّن موظفان يعملان على مدار الساعة على مراقبة البراد، إلا أن
شخصاً ما قام بوضع علبة مادة “الأتراكوريوم” المخدرة في براد اللقاحات بدلاً من وضعها في البراد
المخصص لها في غفلة على ما يبدو من موظف حراسة البراد.
والمادة
المذكورة هي مادة التخدير التي تستخدم في العمليات الجراحية، ويعطى المريض منها
كمية نصف ميليغرام، وشكل العبوة الخارجية لهذه المادة يشبه بشكل كبير علبة المذيب
الذي يستخدم في عملية التلقيح، ونتيجة لوضع المادة في البراد الخطأ، استخدم الملقحون
المادة المخدّرة في إذابة اللقاحات ظناً منهم أنها مادة المذيب، والتي تصل كميتها
في الجرعة الواحدة إلى 5 ميليغرامات، ما يعني أن الطفل الواحد حصل على كمية من
المخدر تعادل عشرة أضعاف ما يحصل عليه الشخص البالغ أثناء العمل الجراحي، وكانت
هذه الكمية كافية لتقتل عدداً من الأطفال خاصة أولئك الذين يقل وزنهم عن عشرة
كليوغرامات.
استبعاد العمل الجنائي:
لمحاولة معرفة ملابسات وضع عبوة المخدر في البراد الخطأ،
اتصلت “صدى الشام” بالدكتور خالد ميلاجي من فريق مكافحة مرض الحصبة،
والذي استبعد في حديثه أن يكون العمل مدبّراً، وأضاف: “تم تخصيص مراقبة على
مدار الساعة لكل البرادات التي توضع فيها اللقاحات، وهو إجراء غير متبع عالمياً في
حملات التلقيح، ولكن قمنا باتخاذه نظراً للظروف الحالية في سوريا، وباعتقادي أن ما
حصل كان نتيجة إهمال من مدير المركز الصحي، وكذلك مراقب البراد، حيث لم تتم مراقبة
البراد بالشكل الصحيح، وأعتقد أن وضع العبوة كان خطأً نعمل على كشف ملابساته
وتحديد المسؤول عنه”.
تفاعل دولي:
دولياً أعربت منظمتا اليونيسيف والصحة العالمية عن “حزنهما
العميق” لوفاة الأطفال، منوِّهةً في الوقت ذاته إلى أهمية استئناف عملية
التلقيح نظراً للخطورة التي يشكلها مرض الحصبة على الأطفال.
كما شكلت المنظمتان لجنة تحقيق خاصة، بدأت عملها الأسبوع
الماضي، والتقت مع بعض أعضاء فريق التلقيح في محاولة للوقوف على ما جرى. وعلمت
“صدى الشام” من مصدر مطلع في فريق التلقيح أن عمل اللجنة الدولية سينحصر
في الجانب الفني لحدوث الوفيات دون الخوض في تفاصيل أخرى.
استئناف الحملة قريباً:
حادثة الوفيات أوقفت عملية التلقيح لمرض الحصبة في مناطق
المعارضة في سوريا، إلا أن القائمين على الحملة يأملون أن لا تطول فترة التوقف
كثيراً، وفي هذا السياق يقول د. ميلاجي: “خطر مرض الحصبة كبير جداً في سوريا،
وقد سجلت حتى اللحظة أكثر من 8300 إصابة، وتبلغ نسبة الوفيات عالمياً حوالي 10 %
من إجمالي الإصابات، إلا أن هذا الرقم قد يرتفع في سوريا إلى 30 % نتيجة لسوء
التغذية، ونتيجة للحالة الوبائية للمرض، لذا نأمل أن يتم تجاوز الأمر سريعاً، وأعتقد
أن الحملة ستستكمل خلال الأيام القادمة في دير الزور، ثم في ادلب لاحقاً”.
وأضاف: “لا يجوز لنا تعريض مئات آلاف الأطفال لخطر الحصبة طالما أننا متأكدون
من سلامة اللقاحات وعملية التلقيح”.
حملات ناجحة للتطعيم في سوريا:
تجدر الإشارة أخيراً إلى أن اللقاحات التي تستخدم في
مناطق المعارضة السورية هي ذاتها اللقاحات العالمية الصادرة عن منظمة الصحة
العالمية، ونتيجة لعدم وجود كيان رسمي معترف به دولياً للمعارضة السورية، فإن
المنظمة الدولية تقوم بتسليم اللقاحات للهلال الأحمر التركي الذي يقوم بدوره
بتسليم اللقاحات إلى فريق اللقاحات بعد التأكُّد من سلامة اللقاحات وسلامة عملية
نقلها.
ووفقاً للطريقة ذاتها، نفّذت فرق طبية خلال الشهور
السابقة عملية تلقيح ضد شلل الأطفال، حيث تمكن فريق اللقاحات من تلقيح أكثر من
مليون طفل ولستة مرات متتالية، كما نفذ فريق الحصبة حملة أولى من التلقيح ضد
الحصبة ليشمل أكثر من 40 ألف طفل، ولم تشهد أيُّ من الحملات السابقة ما يعكّر صفوَها
وصنفت كحملات ناجحة، وأدت بحسب الأطباء إلى توقف انتشار مرض شلل الأطفال في سوريا،
فيما يعوّل على الحملة الحالية في حال استمرارها أن تقف في وجه مرض الحصبة أيضاً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث