ماريّا الشاميّ
خوفٌ لا تكتمه العائلات السوريّة على بناتهم، من أن يُصبح الزواج لِمَنْ استطاع إليه سبيلاً، فيتزايد هذا الخوف في دائرةٍ مُفرَغةٍ تتكرّر فيها المشكلات، بين كذبِ واحتيالِ بعض الشُبّان لتلبية الطّلبات “الشهرزاديّة”، وبين حالات المخالعة والانفصال التعسّفيّ بين الزوجَين، تحت طائلة العادات الاجتماعيّة المحافِظة والوضع الاقتصاديّ المترنّح.
وفي ذلك، أجمعت ثلاث أمّهاتٍ لفتياتٍ بعمر الزواج، أنّ “الحرب نجحت بسرقة الشّباب السوريّ من أهلهم وحياتهم”، وقد لمَسْنَ التغيّرات في عادات الخِطبة والطّلب، التي “قلّت وتناقصت” حسب وصفهنّ، وما يؤكّد كلامهنّ هو نِسبة العنوسة في سوريا التي ارتفعت خلال عام /2013/ حتّى 60%.
من دَلْفِ العادات لمِزْرَاب الغَلاء
مراحل الخِطبة التقليديّة اختُصِرَت بعد الحرب إلى واحدةٍ لا أكثر !!.. فبعد أوّل مكالمةٍ هاتفيّةٍ تجزم العائلتان بالتناغم بين ظروف كلٍّ منهما أو عدمه؛ وتكون الزيارة الأولى لوضع النّقاط على الحروف.
فالشابّ اليوم إمّا مسافرٌ يحمل متاعه من بلدٍ لآخرَ، أو استقرّ في البلاد رُغم الظروف لكن في منزلٍ بات يغصّ بكلّ نازحٍ من العائلة، أو أنّه من ذوي “الأوضاع الخاصّة” التي تخشى النِّسوة توضيحها عبر الهاتف، فإمّا مجاهدٌ أو ناشطٌ أو مطارَدٌ اختار المكوث في مناطقَ محرّرةٍ؛ وهنا.. كلّ الخيارات أحلاها مرٌّ بالنسبة للفتاة، فإمّا أن تقبل بزواج “ابن بطّوطة” السوريّ، أو تكتفي بغرفةٍ صغيرةٍ في “سفينة نوح” مع عائلة الزوج، أو تختار بعض المغامرة في زيجاتٍ ثوريّةٍ انحصرت بالرّيف المحرّر.
وبعد القبول الأوّل من الطرفَين، يحين دور الطلبات، التي أصبحت تُقال على خَجَلٍ بين بعض العائلات..
فلا منزلَ بمواصفاتٍ معيّنةٍ يترتّب على الشابّ، بعدما ارتفعت أسعار تمليك العقارات حوالي خمسة أضعافٍ، وبات استئجار منزلٍ صالحٍ للأسرة كماليّةً مع وصول كُلفة الإيجار إلى /60.000/ ليرةٍ سوريّةٍ، وذلك بدمشق وضواحيها، فلم يكُن غريباً تصنيف (سوريا) من بين الدول الأغلى ثمناً لعقاراتها في العالم.. أمّا زيارة سوق الذهب المُشتَعِل بأسعاره قبل زينته فباتت محدودةً بـ”مَحْبَسَين” وقطعةٍ ذهبيّةٍ لإرضاء الفتاة، بعدما ارتفعت أسعار الذهب إلى /6.600/ ليرةٍ سوريّةٍ.
ناهيك عن تقاليدَ اندثرت بعدما كانت رمز الفرح في المجتمع السوريّ، كالاحتفالات والصّالات ومواكب “العراضة”، لأنّ معظم صالات الأفراح باتت تعمل على الطلب وفق حجزٍ مسبقٍ، بعدما أصبحت الحفلات الكبيرة رفاهيّاتٍ مُقِلّةً أيضاً، أمّا التجمّعات العائليّة و”العراضات” فهي اليوم جُرْمٌ يستدعي استنفار قِوى الأمن تحت طائلة منع التجمّعات دون تراخيصَ وأذون؛ علاوةً على المصاريف الماليّة الضخمة لمُستلزَمات “مظاهر” الفرح هذه، من ورودٍ وأطعمةٍ وسيّاراتٍ، باتت كُلفة استئجارها تساوي كُلفة إكساء منزل الزوجيّة أو أكثر.
أمام شبابٍ سوريّ لا يتجاوز متوسّط دخله الشهريّ الـ/50.000/ ليرةٍ سوريّةٍ -إنْ وُجِد العمل- تتبخّر هذه الكماليّات كلّها؛ ويقتصر الزواج على معناه الحقيقيّ الأضيق، بمحاولة تأسيس أسرةٍ تتكيّف مع ظروف الحرب أو الاغتراب، وتبدأ محاولات التأسيس هذه ليس مع أوّل طفلٍ، بل مع أوّل مرحلةٍ وهي (الخطوبة)، إذ أصبحت الشهادة العلميّة أو التدريبيّة للفتاة مفضّلةً مع استعدادها للعمل، لتكوين أسرةٍ مرتاحةٍ مادّياً، ليس في الداخل فقط بل ودول اللّجوء أيضاً، وكأنّ ارتفاع الأسعار بالتزامن مع انخفاض الأجور لعنةٌ لا تَقُضّ إلّا مضاجع السوريّين.
وفي ليلة الزّفاف يُفتَقَد الزّوج
وما أكثر حفلات الزّفاف الضيّقة الّتي أُقِيمَت على عجلٍ، وغصّت بدموع الحزن بدل الفرح !!.. فأهل الفتاة يحزنون لفراقها وسفرها، وأهل الشابّ يحزنون لافتقاده بليلة زفافه، حتّى أصبحت بعض طقوس الزواج مثل عقد القِران الشرعيّ وتثبيت الزواج القانونيّ تُقام “أون لاين” عبر الشّاشات الإلكترونيّة.
حيث راجت ظاهرة (الزواج الإلكترونيّ) منتصف /2012/، إذ سنَّ هذه السُّنّة بعض الشُبّان الذين حملتهم الاعتقالات والملاحقات على السفر، ومنعتهم من العودة إلى (سوريا)، فأصبحوا يلجؤون إلى التّعارف عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، سواءً أكانوا يتّبعون الطريقة التقليديّة في الزواج، ليعتمدوا على صور الفتيات وحساباتهنّ الإلكترونيّة التي تُرسلها النساء الخاطِبات، أو يتّبعون طريقة التّعارف المُسبق واتّفاق ما قبل الزواج، ليضمن الشّاب عروساً للعمر كُلّه تُعينه في العمل والسفر وأيّ مشاقّ.
وفي كِلتا الحالتَين، يبقى الأهل هم المنظّم الأوّل والأخير لشؤون الزيجة “من على بُعْد”، ومن كان منهم ميسور الحال مادّياً قد يستطيع ترتيب لقاءٍ أو لقاءَين بين الشابّ والفتاة لكن خارج (سوريا)، كما فعل (أنس م.) الذي التقى بخطيبته في (لبنان) وعقد قِرانه عليها هناك، لكنّه عرض وجهاً آخر مُظلِماً لهذا النوع من الزِيجات، فقال: “كنت أعيش في ألمانيا، واعتقدتُ بسهولة إتمام إجراءات لمّ الشمل، لكنّ استقدامها تأخّر حوالي السنة، ما جعل أهلها يعتقدون بعدم رغبتي بإتمام الزواج، وكدتُ أقطع علاقتي بها مِراراً تحت هذه الضغوط الجمّة، حتّى جاء الفرج وتمّت الأوراق..”، ويُضيف منبّهاً، أنّه “لابدّ للشاب من دراسة وضعه بدايةً، وربّما الأفضل له البحث عن عروسه ضمن الجالية السوريّة القاطنة في البلد نفسه”.
ثمن الرغيف بزواجٍ شريف
بالعودة إلى الداخل السوريّ، كان تزويج القاصرات الكيّ الاجتماعي لداء قلّة ذات اليد خلال الأزمة الاقتصاديّة المترافقة مع حركات النزوح؛ إذ بيّن وزير العدل في حكومة النظام (نَجْم الأحمد) أنّ نسبة عقود زواج القاصرات في المحكمة الشرعيّة بلغت 10% خلال عام /2013/ فقط؛ واصفاً ذلك بأنه “مثيرٌ للقلق”، فيما خصّ القاضي الشرعيّ الأوّل (محمود المعرّاوي) دمشقَ وريفها، بأنّ حالات تزويج القاصرات قد بلغ حوالي نصف عقود الزواج فيها.
وفي السؤال عن السّبب كانت الإجابة الصريحة الوحيدة من (أبي سعيد)، وهو لاجئٌ حمصيٌ زوّج ابنته منذ عامَين إلى الأردنّ، فيروي: “كانت حالات سَوْق البنات إلى السجون لاغتصابهنّ كثيرةً في ريف حمص، وعندما قدِمنا إلى دمشق وجدتُ نفس الخطر.. لم أتجرّأ على المغامرة بشرفها وطَمْر رأسي في تراب العار طَوال حياتي، فلا أنا بقادرٍ على حمايتها من الجنود وقُطّاع الطُرُق، ولم يكُن هناك من حلٍ آمِنٍ سِوى تزويجها”.
أمّا (مرام. ك) ابنة التسعة عشر ربيعاً، فتزوّجت قبل ثلاثة أعوامٍ مع بدء عمر الثورة السوريّة، واليوم تحمل بين يديها فتاتها المُصابة بشظيّةٍ في الكتف، فيما تحمل بأخٍ ثانٍ تتخوّف من إنجابه إلى المصير نفسه أو أسوأ؛ وبين هذين الحِمْلَين الّلذَين باتت تعتبرهما (مرام) مسؤوليّةً تُثقِل كاهلها مبكراً تروي لنا قصّتها بحُرْقَةٍ؛ وتقول: “كنّا في مدينة (دوما) نعيش برَغَدٍ في بناءٍ كاملٍ شيّده أبي وأعمامي، لكنّ صاروخَين كانا كفيلَين بتدميره، لأجد نفسي لاجئةً إلى دمشق في منزلٍ عربيّ مع عائلات إخوتي وأعمامي، وتستبدل كلّ عائلةٍ المنزل الرّحْب بغرفةٍ ضيّقةٍ، وكان زواجي مخرجاً أفضل من هذا الوضع، لكنّ أهل زوجي نزحوا لاحقاً من (المليحة) كذلك، وعدنا لمصيرٍ واحدٍ”.
في ضوء هذه المصاعب كلّها، لم تتوانَ بعض الزوجات وعائلاتهنّ عن مزيدٍ من الطلبات الخارجة عن إطار الوضع المعيشيّ والاقتصاديّ الضيّق الهزيل؛ الذي يودي إلى نزاعاتٍ قد تصلّ للإساءة الأخلاقيّة، فوصلت قضايا الطّلاق بدمشق وريفها إلى /5- 6/ يوميّاً، حسب القاضي الشرعيّ الأوّل (المعرّاوي)، فيما ارتفعت نسبة الطّلاق إلى 45% في عموم سوريا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث