سالم عدلي المحمود
يصر النظام السوري على البقاء في مكانه، لا يغادره مطلقاً مهما تبدلت الظروف، ومهما ساءت الأحوال، ومهما لاح في الأفق من أخطار قد تكون أشد فظاعة مما حصل لسورية وشعبها حتى الآن، رغم أن سؤالاً يخطر على البال: هل ثمة بلاء أكثر مما حصل؟! بالطبع يمكن أن نتوقع الكثير ما دام النظام موجوداً، بل يصر على وجوده وتشبثه بكرسي الحكم بأظافره وأنيابه، وهو غير عازم على مغادرة أماكنه، ولا “ثوابته الوطنية” التي أتت على الوطن وعلى أهله. وهو كذلك، مصرّ على عدم التزحزح قيد أنملة، لا عما اختاره من حل أمني، منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، فحسب، بل فيما درج عليه منذ أربعين عاماً وأكثر.. ولم لا يفعل، ما دام الغطاء المناسب الذي استدعاه قد جاءه، وهو طوع بنانه، بالطبع أعني “داعش” وأخواتها التي أتت بأفعال أفظع مما كان يتصور، رغم أن النظام لم يكن بحاجة إلى أيِّ غطاء لشن حربه المجنونة ضد شعبه، فهو “المقاوم والممانع والمتصدي الحصري”، وكل من يعارضه؛ إما خائن أو عميل. لكنه، ولأمر في نفس يعقوب، قد استدعى الغطاء، فجاءه على وجه السرعة، وتمدد في أنحاء الوطن، وفي جواره أيضاً، ما أخاف العالم كله، وبخاصة أنَّه وصل إلى المواقع النفطية، وراح يبيع من كنوزها إلى أصحابها بالذات والجوار وبأسعار لا ينافسه فيها أحد.
من هنا بالذات يدرك العالم اليوم أخطار “داعش”، ويتهيأ للرد عليها تجاوباً مع واجبه “الإنساني”، أو ضميره الذي استيقظ بعد مئتي ألف قتيل سوري، وتهجير أربعة ملايين، بحسب الإحصاءات العالمية الرسمية، لكن الواقع يشير إلى أكثر من ذلك بكثير، إضافة إلى خراب كلِّ شيء ذي قيمة عدا الآبار النفطية، لكنَّ المضحك أنَّ النظام الذي بكى واستبكى من أجل داعش، وأمثاله من التنظيمات الإرهابية، قد رُفض طلبه بالمشاركة في مكافحة “الإرهاب”! والغريب في الأمر، – يتساءل هذا النظام: كيف للعالم أن يعلم أن له أصبعاً في وجود هذه الداعش وسواه..؟! على كل حال ليس هذا ما يهم، بل المهم، أو الأهم لبقاء النظام على ثوابته (الوطنية)، هو أن يكون في ضرع الوطن بقية من لبن، حتى وإن كان هذا المتبقي غسّالة، كما يقال، وإن لم يكن فمعونة، أو ديناً بعيد الأجل، يؤديه الشعب من حريته واستعباد بلاده..
نعم إنه باق، أي النظام، ويقولها بالفم الملآن، وعلى ذلك فقد ابتلع كل ما كان قد أقر به، منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، من اعترافات بأن مشكلات كثيرة مستعصية لديه، مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية، ومنها الفساد طبعاً الذي نما وازدهر على هامش انشغاله بالممانعة، ورتب، أي الفساد، دولته ما بين الخمسة الأوائل في العالم.. كما أقر النظام، آنذاك، بمطالب مشروعة لرعاياه المساكين، حتى إنه، لمن لا زال يذكر، وعد بحل تلك المعضلات على وجه السرعة، وقد شرع بها فعلاً، وإن على طريقته الخاصة في (المكيجة) والطلاء الخارجي اللامع!
نعم لقد شرع النظام في ذلك، مع بداية الانتفاضة الشعبية في درعا، التي أتت رداً على عنجهية أجهزته الأمنية وممارساتهم الوحشية، وكانت بالفعل رداً بليغاً حمل في طياته كل ما تراكم في المجتمع من مظالم وأوجاع على أكثر من صعيد، وعلى مدى الأربعين عاماً التي سلفت، مدخلة الرعب في قلب النظام، مهددة وجوده إن لم يسارع إلى رد تلك المظالم..
وهكذا فتحت طائلة الخوف لا غيره، سارع للإقدام على خطوات أتت في أجواء تلك الأيام الفائرة ومناخها. وانقلب النظام بين عشية وضحاها إلى “نظام ديمقراطي”، (وهو المتبجح بديمقراطية لا مثيل لها، ولا يمكن أن تضاهيها أخرى من بين ديمقراطيات العالم). وهكذا ألغى الأحكام العرفية، ومعها المادة الثامنة من الدستور، وأصدر قانوناً بتشكيل الأحزاب، وآخر بزيادة الرواتب، وشكل لجنة لتعديل الدستور، عدلته على وجه السرعة، وأقره مجلس الشعب بـ “الإجماع المعتاد”. ورغم ذلك فإن كل شيء بقي على حاله.. لماذا؟! لأن الشعب الذي اعتاد على نمط أحبّه، نمط تفرّد به دون العالمين جميعاً.. بقي على ما كان قد ألفه. فظلت المادة الثامنة تفعل فعلها، وظلت أحزاب “الجبهة الوطنية التقدمية” تستعطي حصصها من “دولة المؤسسات”، على عتبات الحزب القائد! وظلت الأحكام العرفية سائدة بأبهى ما كانت عليه وأكثر، إذ لا يخرج المعتقلون اليوم، وما أكثرهم، إلا جثثاً هامدة ملقى بها في المجاري أو الزوايا المهجورة!
ولمن لا يصدق أن الشعب باق على عهده، فهذا هو مدير أوقاف حلب، “رجل الدين الكامل الطهارة والنقاء”، الذي لا يحمل غير ثانوية شرعية، يقف على المنبر بمدرج كلية الطب في جامعة حلب. يقف شارحاً “الفكر الإرهابي التكفيري” الذي جيء به إلى سورية “الصامدة” ليسقط “دولة المؤسسات”، ويعلن على الملأ: “أننا في سورية شعب تحكمه المؤسسات”، ويعدد: “المؤسسة العسكرية، والمؤسسة الأمنية، والمؤسسة الحزبية”، وأنه كمدير لمؤسسة دينية مستعد، ومؤسسته للتعاون مع تلك المؤسسات جميعها..! (وكأن تلك المؤسسات، وبخاصة الأمنية منها، لا تدوس رأسه متى شاءت أو شاء لها الهوى! وأنه اليوم، ومن أجل المساهمة في “معركة سورية الكبرى” في التصدي للفكر التكفيري، قد استحدث داعيات من بين النساء حصراً، لأن المرأة هذه الأيام، لها سطوة على الرجل، ولها تأثير على الجمهور العام أيضاً، (وابتسم بالطبع، بل كركر عندما تلفظ بتلك الكلمات)، فلدى مؤسسته الدينية اليوم أكثر من ثلاثمئة وخمسين داعية، تدخل بيوت الناس لتشرح للنساء المؤثرات على الرجال “فقه” الأزمة السورية..!
إذاً، والقول لي هذه المرة، ليطمئن الجميع، فداعيات المؤسسة الدينية المؤثرات اليوم، تقاتل بالكلمة والفقه إلى جانب تلك المؤسسات، والمليشيات طبعاً، المستوردة منها والمصنعة محلياً، من سقط المجتمع وأوضاره، وأن النصر على الفكر الإرهابي وأدواته بات في متناول اليد، وأنْ لا خوف على الفكر “التعايشي” الذي يمتاز به النظام. وأخيراً وهذا هو المهم: لا أحد، بعد الآن، يسأل عن “داعش” وأخواته، ولا عن مصادرها ومكوناتها؟!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث