طريف
العتيق
لم
يعد خافيًا على أحد الفارق الكبير في النهج الذي اتبعه النظام في التعامل مع جناحي
الثورة الرئيسيين، أقصد الحراك السلمي، والعمل المسلح، فمنذ اللحظة الأولى كان قلع
الأظافر، حرق الأجساد، والتعذيب حتى الموت، من نصيب أولئك الأطفال بدايةً، ومن ثم جميع المدنيين المناهضين لحكم الأسد، الذي كان كل ما
فعلوه، كتابة شعارات سلمية تدعو لإسقاط نظام الحكم. فالتعذيب الوحشي
والقمع تجلى في أوضح
صوره وأشكاله تجاه نشطاء الثورة السلميين، أيًا كان مجالهم، في التظاهر أو الإعلام
أو الطبابة، أمثال أحمد مطر، هادي الجندي، ومئات النشطاء المحليين الذين لم يحفل بهم الإعلام.
في
المقابل، امتدتيد النظام للمصالحة الوطنية في وقت متأخر جدًا، وفقط عقب انتشار السلاح بين
المنشقين، والمسلحين الموالين للثورة، فالاتصالات بين أرفع قيادي النظام السوري من جهة، وقيادات المعارضة المسلحة
على الأرض لم تنقطع، والمفاوضات تجري بينهم باستمرار، حيال كثير من المسائل،
أبسطها الاتفاق على تسيير متبادل لشؤون الحياة اليومية التي يملك كل طرف نصيب منها
في بعض المناطق، وحتى الاتفاق المسبق على انسحابات بعينها، أو إجراء المصالحات وما
يعقبها من إدارة مشتركة لمناطق عدّة.
وليس
في هذا تخوين البتة لأيٍ من حملة السلاح، والواقفين في وجه آلة قتل مسلطة على رقاب
الضعاف من المدنيين، لكنها محاولة للإشارة إلى أنه لا مشكلة لدى النظام الأمني في
التعامل مع المسلحيين، التفاوض معهم، الأخذ والرد، وحتى الإتفاق، بل ها هي مشاهد
عدّة لمسلحين من النظام، وآخرين من
الثوار وهم يتصافحون، ويتبادلون بعض الأحاديث إثر توقيع وقفٍ لإطلاق النار.. هي
محاولة للإشارة، ومحاولة للفهم كذلك.
لماذا
يبدو نظام بشار الأسد أكثر تسامحًا مع مَن حمل السلاح؟
فهو يطلق سراحهم، يتفاوض معهم، بل ويتفق، بينما نجده لا يرحم أيًا من النشطاء
المدنيين السلميين، ولا سيما أولئك
الفاعلين، فالاعتقال المؤبّد هو حتفهم
السهل، ناهيك عن الإذلال والتعذيب حتى الموت.
لماذا
يفرج عن معتقلي صيدنايا، بينما يرزخ في غياهب المجهول مئات المعتقلين السياسيين، الإعلاميين، وغيرهم؟
رغم
ما قد يبدو للوهلة الأولى، أن من يشكل خطرًا حقيقيًا على وجود النظام واستمرار
وجوده، هم حملة السلاح، القادرين على شل قواته، وافقاده السيطرة على البلاد، رقعةً
رقعة، وصولًا إلى العاصمة، للإطاحة به وإنهاء حكمه، فأي تهديدٍ يمثّله ذلك الناشط
الذي ينظم احتفالاً مدرسياً بسيطاً، أمام هؤلاء،
حتى يلقى حتفه ببرميل متفجر فوق مبنى مدرسته؟
سيغدو
كل شيء مفهوماً، عندما نصل إلى المعادلة الجذرية التي يعتمد عليها
النظام الاستبدادي في وجوده، ألا وهي معادلة: مجتمع ضعيف > دولة قويّة، أي كلما
تمكّن النظام المستبد من جمع صلاحيات ومهام أكبر لإدارة
البلاد في يده وتسييره لمختلف أنشطة الناس وتأمين متطلبات حياتهم، وجودهم،
ومعاشهم؛ كلما كان شموليًا أكثر، كلما قوي وجوده، وبات الاستغناء عنه في حكم
المستحيل، مهما كانت المبررات الأخرى (إنسانية، قانونية، الخ) تبدو للمراقب
الخارجي كفيلة بالاطاحة به، ومهما بلغ من الضعف، وعدم القدرة على تحقيق مقومات
الدولة.
لذا
فإن العمل المتجه لتقوية البناء الاجتماعي، حتى وان لم يتجه لإضعاف الدولة أو نظام
الحكم، هو ما يشكّل الخطر الحقيقي على استمرار وجود النظام، أن يحاول بعض النشطاء
إشعار المجتمع بقوته، وإكسابه ثقة بنفسه، وبما يمكنه تحقيقه بالاعتماد على ذاته،
دون مد اليد للدولة، هو ما يهز عرش المستبد.
فإذا
أمكن للمجتمع أن يختبر قوته الحقيقية، وقدرته على تسيير كامل شؤونه، فإلى ماذا
يعود به حاجة للدولة التي تحكم بالحديد والنار، طالما أنه يتمكن من توفير معاشه
ومتطلبات حياته بالاعتماد على الآخرين
أمثاله؟
إن
أي خلل أو ضعف أو ترهُّل، في جسد
الدولة وأي من مؤسساتها المختلفة، يمكن تعويضه لاحقًا، لكن المجتمع الذي يقوى
ويكتسب شخصية مستقلة كيف يمكن إعادته لحظيرة العبودية؟
ولهذا
السبب أيضًا لم يُسمح في ظل حكم نظام الأسد الأب أو الابن،
بأي شكل من أشكال التعاون الاجتماعي الحقيقي، كالجمعيات والنوادي وغيرها، إذ بادرت
الدولة لإنشاء مختلف أنواع النقابات والتجمُّعات
التي تخطر على البال، فواحد للطلائع، وآخر للشبيبة، وثالث للعمال، ورابع للفلاحين،
ونقابة للمهندسين وأخرى للأطباء، وهكذا، لم يبقَ مجال لم يُنشأ به جمعية أو نقابة،
وكانت الخطوة الثانية بتفريغ هذه الجميعات من أي مضمون حقيقي من مضامين التعاون
والتكاتف المجتمعي، وإغراقها بكل أمراض المؤسسات، فإذا ما بادر أحدهم لتشكيل جمعية
ما، أخُبر بأن الجمعيات متوفرة، فلنعمل على إصلاحها وتفعيلها أفضل من أن نبدأ من
الصفر، وهكذا تُبتلع مبادرته، ويبقى المجتمع مفككا، دون أي روابط بينية، اللهم إلا
روابط الدولة التي تزيده إنفصالا عن بعضه، وتكرّس عوزه لها.
ومن
هنا فإن الجهد الحقيقي الذي يمكنه أن يثمر على المدى البعيد، هو إعادة تأهيل
وتفعيل المجتمع السوري عن طريق بناء رغبة للتعارف الأهلي والمجتمعي، وبناء جمعيات
وأهليات قادرة على تسخير طاقات المجموع لخدمته، إن العمل على تقوية أنوية مجتمعات
صغيرة هنا وهناك، هو الضمان بمستقبل سوريّ مختلف عن عهد الأسد، لا شكل الكرسي
القابع في قصر الأمويين الذي يتقاتل الجميع على الجلوس محله!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث