الرئيسية / رأي / صناعة الإرهاب والحرب عليه!

صناعة الإرهاب والحرب عليه!

عمّار الأحمد
واحدة من طرق إدارة الأزمات للأنظمة الرأسمالية هي صناعة الإرهاب أولاً، ثم الحرب على الإرهاب ثانياً؛ فتنظيم القاعدة تمّ تصنيعه وكافة الجهاديات لتفشيل الثورات الشعبية أو مانعة لتشكيل وعي ثوري وواقعي قادر على مواجهة الأنظمة. 
في سوريا كانت الثورةُ شعبيةً، وشاهد العالم بأكمله سلميتها وتنوُّعها، وكان الأمر كذلك في كامل المدن والبلدات السورية. النظام ودول الإقليم والدول الإمبريالية لم يفعلوا شيئاً كي تنتصر، لم يضغطوا على النظام مرة واحدة كي يغيّر أو يرحل، بل، وأصبحت تركيا بعد عدة أشهر منفذ الإرهابيين الأوربيين والأمريكيين إلى سوريا. 
وقام النظام أيضاً بمواجهة الثورة عبر إطلاق الجهاديين من سجونه وكذلك فعل المالكي. النظامان السوري والعراقي، أطلقا الإرهابيين لذبح الثورة، كي يبررا تدمير سوريا وقتل الحاضنة الشعبية، وتحويل الثورة إلى صراع طائفي. 
التحويل تمّ، لكنه يكاد يفيض على دول الإقليم والعالم، وهذا ما تطلب إنشاء التحالف الدولي والبدء بالحرب على الإرهاب. أي أن أمريكا وبقية التحالف ليسوا معنيين بسوريا إلا لأن الوضع فيها أصبح يشكّل خطراً عالمياً وإقليمياً، ولم يفعلوا شيئاً طيلة أربع سنوات من أجل حقوق السوريين. 
هذا التحالف الآن مهمته بناء أنظمة هشة وذات خصائص طائفية، وتحويل الشرطة والجيش المحليَّين إلى قوات لحماية المصالح الامبريالية وملاحقة الجماعات الإرهابية؛ الجهادية والعصابات التي تهدد تلك المصالح.
الحرب على الإرهاب كاستراتيجية بدأت منذ عام 2001، حينما هاجمت أمريكا أفغانستان، وحتى اللحظة لم يتحقق ذلك الهدف، ربما ضعف تنظيم القاعدة، ولكن تنظيم داعش كان يزداد قوة تحت نظر الاستخبارات وبتشجيع منها، ولكن لماذا تُرِكَ يكبر، ويتغوّل؟ الحقيقة تقول إن الرأسمالية لم يعد لديها طرق لحل أزماتها، وأصبحت أزماتها مزمنةً ومستمرةً وقابلة للتفجُّر في أي وقت، وهو ما يحصل في أوروبا منذ عام 2008، وثورات العالم العربي، حدثت بسبب تصاعد الأزمات المعيشية وتدمير الزراعة والصناعات البسيطة ووصول العاطلين عن العمل– جامعيين وغير متعلمين- لأكثر من 40 بالمائة من السكان؛ هذا الوضع إمّا أن يتفجّر بثورات شعبية كما حصل، أو يتم إغراق حياة الناس بصراعات طائفية ومذهبية واقتتال مستمر لا يتوقف. ما حدث أن الثورات حدثت ولم توجد قوى سياسية واعية لها، وتدفع بها نحو خلق أنظمة تمتلك الحلول للمشكلات، وواجهتها الأنظمة القديمة إمّا بالإسلام السياسي أو بحركات جهادية، مصر وتونس تزعمها الإسلام السياسي، وليبيا وسوريا تم  فيها صناعة قوى الإرهاب، وها هي تلج الدولتين بحروب لا متناهية وعبث كارثي.
التحالف الدولي هل ينهي الإرهاب؟ هل يجتث داعش والجهاديات تماماً؟ ربما سيحدُّ منها كثيراً لأنها أصبحت تشكل خطراً كما أشرنا.
ولكن ما يوقف صناعة الإرهاب، هي مشاريع مجتمعية، وتنمية اقتصادية واجتماعية ونظم ديمقراطية؛ الآن تُعَدُّ المشاريع الاقتصادية الليبرالية لنهب ما تبقى من ثروات، ويقومون بكل ذلك باسم إعادة الإعمار، وهو ما سيجدّد الثورات، وسيجدد قوى الإرهاب كذلك والأصوليات والجهاديات، وبالتالي الطريق الوحيد لإيقاف كل هذا الإرهاب ليس بعمل عسكري وأمني فقط، وهو ضروري في مرحلة معينة ويتحقق الآن بسبب الخطر المشار إليه فقط، بل يكمن في سياسات اقتصادية واجتماعية ونظم ديمقراطية تحلُّ أزماتِ المجتمع، وتحقّق مصالح ملايين الفقراء والمهمَّشين.
لن تتدخل أمريكا برياً ولا التحالف خاصتها، إذا ستكون القوى المحلية مسخّرة لمصلحة ذلك التحالف، وهو ما سيخلق مشكلات بين فئات المجتمع، وربما سيؤسس لعدوات لا تنتهي على أساس العمالة، وربما هذا سيقوي الجهاديات ولا سيما داعش، حيث سيكون هو المستهدف، وبالتالي ما لم يكن هناك خطة واضحة لهذا التحالف ربما سيأتي بنتائج عسكرية، أي يقوّي الجهاديات، وداعش كتنظيم إرهابي يستخدم الدين لغاياته.
هناك تصريحات من قادة عسكريين في الثورة، يشترطون المساهمة في التحالف إن كان سيكون ضد النظام كذلك، وهم بالوقت عينه يحاربون منذ سنوات النظام وداعش سويةً. وهذا تفكير صائب. التحالف قادم نحو سوريا، ولكن تجارب تحالفات كهذه في أفغانستان والعراق تقولان إن التحالف لن يساهم في حلِّ الأزمات، بقدر ما سيخفف من وجود قوى الإرهاب، وسيخلق أرضاً جديدة لنموّه كذلك. ما يحدث فارقاً عن أفغانستان والعراق، تحقيق السياسات التي ذكرناها، وإنهاء أي ملمح طائفي للنظام القادم.
قوى الثورة، السياسية والعسكرية، هي المعنية بطرح رؤيتها لمستقبل سوريا، كبلد لجميع السوريين، وطرح سياسات اقتصادية واجتماعية داعمة للزراعة والصناعة، وتحديد شكل النظام القادم، وبعيداً عن الارتهان للدول الإقليمية والامبريالية.
أمريكا لا تأتي لنصرة الثورات، فهي من راقب تمدّد الجهاديات، أمريكا تأتي لمنع التهديد لمصالحها فقط؛ وتهدف إلى بناء أنظمة طائفية وهامشية؛ هذا ما على قوى الثورة فهمه جيداً، ورفضه، وليس الاندراج فيه كما تدفعهم القوى الأصولية والجهادية، وبما يحقق مصالح النظام كذلك.
أخيراً، إن صناعة الإرهاب والحرب على الإرهاب يتطلبان بصورة رئيسية مشاريعَ اقتصاديةً واجتماعيةً وتعليميةً ونظاماً يؤمن حاجات الشعب في السكن والعمل والطبابة والتعليم ونظام ديمقراطي على أساس المواطنة. هذه أولى الأحجار لمواجهة الإرهاب، وهذه لا تتحقق دون إسقاط النظام وتغييره وإنهاء الميل الجهادي والأصولي في الثورة وفي السياسة؛ وهذا ما يجب التأكيد عليه.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *