ماريّا الشامي
بين “إقامة اللاجئ المؤقّتة” التي وُصِم بها السوريّ أينما حلّ وارتحل، إلى الأخطار المحيطة بعودته إلى غياهب الحرب، فثغراتِ القانون السوريّ الذي يحرم الأمّ من تجنيس أطفالها ولو عند اختفاء الأب، بات الطفل – لا نعرف، أنُصنّفه سوريّاً أم لا !!- حبيساً لكن في فراغ الانتماء الوطنيّ، فلا هو مُعتَرَفٌ به كسوريّ، ولا يُحصّل جنسية بلد المنفى حيث وُلِد.
حياةٌ لا تتمّ إلّا على “الورق”
ثلاثة ملايين سوريٍّ لاجئون في الخارج، مقابل ثلاثة ملايين ونصف المليون آخرين نازحين في الدّاخل، يشكّل الأطفال أكثر من نصفهم خصوصاً المواليد الجُدد منهم، الذين فشل أهلوهم بتسجيلهم قبل حركات النزوح حينها، علاوةً على ولادة حوالي /50/ ألفاً غيرهم مغتربين في بلدان المنفى، إذ أحصت المفوّضية العُليا لشؤون اللاجئين في الأمم المتّحدة نسبة 75% من الأطفال اللاجئين إلى (لبنان) لم يُسجَّلوا كسوريّين؛ فأوضح (أمِيت سين) -مسؤول الحماية الإقليميّة في المُفوَّضية العُلْيا لشؤون اللّاجئين- سبب ذلك أنّ: “مقتل العديد من الآباء في الحرب الدائرة وحالات الانفصال القَسْريّ عن زوجاتهم، يتسبّبان في أنّ رُبْع الأُسَر السوريّة اللاجئة ترعاها نساءٌ، في وقتٍ لا يسمح فيه القانون السوريّ بحصول الأطفال على الجنسيّة نِسْبةً للأمومة”، مُضيفاً أنّه “دون أوراقٍ ثبوتيّةٍ لا يتسنّى للأطفال الحصول على الرعاية الصحّية والتعليم”.. كما بحث المنتدى العالميّ المنعقِد بمدينة (لاهاي) الهولّنديّة في (أيلول) الجاري الظّاهرةَ على هامش أعماله، فعزى سببها إلى “الزيجات العرفيّة” غير المعتَرَف بها بعقودٍ قانونيّةٍ موثّقةٍ في أوراقٍ رسميّةٍ، وبالتّالي لن يتمّ الاعتراف بنِتاج هذه المؤسّسة غير الرسميّة ولا القانونيّة، فلا رِباط بين الأم والأب ليُثَبّت في شهادات ميلاد أطفالهم.
اللاجئ السوريّ.. الحاضر الغائب
ولا تنحصر حدود المشكلة بغياب الوالد أو عدم قانونيّة ارتباطه، ففي حالة (خ. ك – 30 عاماً) تعقّدت المشكلة إلى “الحيّ الميّت” على حدّ وصفه، فهو معتَقَلٌ سابقٌ بتُهَمٍ أودته إلى “الإرهاب المُسلّح”، استمرّ اعتقاله حوالَي العامَين منذ عام 2011، تنقّل خلالها بين عدّة فروعٍ أمنيّةٍ بدمشقَ وريفها، وقد أشاعت سُلُطات الأمن بين أهله مقتله دون إعطائهم أوراقه الثبوتيّة أو حتّى البطاقة الشخصيّة، لكنّ المفاجأة كانت بخروجه في إحدى صفقات التبادل وكأنّه “نكرةٌ” كما يصِف، ويقول: “لم أعلم كيف ولماذا تمّ تسجيل وفاتي في الحكومة بينما كنت في المعتقل، وعلمتُ بذلك لدى خروجي دون استرجاعي هويّتي، فحاولت استخراج بدلٍ عن ضائعٍ منها ثمّ جواز سفرٍ بوساطة أحد موظّفي الدولة، ففاجأني بألّا اسم لي في السجلّات!!” هرب (خ. ك) إلى تركيّا عبر (باب الهوى) بداية /2013/، لكنّه ليس بلاجئٍ سوريّ ولا مواطنٍ تركيّ، وإن استطاع الزواج بسوريّةٍ هناك، فسيكون لأولاده المصير الضائع نفسه.
وربّما هذه التجربة ليستِ الأولى في إطار الحرب السوريّة، فشهادات الكثير من اللاجئين السوريّين تدلّ على أنّهم فقدوا أوراقهم الثبوتيّة كذلك هُم وأبناؤهم؛ سواء عندما التهَمَ القصفُ بعض البيوت على رؤوس ساكنِيها، فنَجوا، ولم تنجُ أوراقهم، أو دخلت بعض الأطراف المسلّحة المدن لتحتلّ المباني الحكوميّة فيها وبالتالي تجمّد عملها، أو تعرّض قُطّاع الطُرق والمسلّحون المجهولون لبعض اللاجئين أثناء نزوحهم، يسرقون منهم ما خفّ وغلا من المَتَاع التي تحمل أوراقهم الثبوتيّة كذلك، فيغدو اللاجئون السوريّون إلى دوار الجِوار الحدوديّ في هذه الحالات الشائعة هم أنفسهم بلا هويّاتٍ تثبت جنسيّاتهم السوريّة، وحسب وصف تقاريرَ صادرةٍ عن منظّماتٍ إنسانيّةٍ، فإنّ ما يقارب 20% من اللاجئين السوريين إلى مخيّمات (الأردن) فقط هُم “عديمو الجنسيّة”، ولا يستطيعون توريث “سوريّتهم” لأبنائهم، سواءً أكانوا من المواليد الجُدد أو تحت السنّ القانونيّة للحصول على هويّة.
إنّه حقّي.. لكنّي سوريّ !!
يُقِرّ القانون الدوليّ وثيقة تسجيل الميلاد حقّاً واجباً لكلّ طفلٍ في العالم.. وفي حالات الحرب التي ينعدم فيها الاعتراف بجنسيّات أبناء اللاجئين، يعتمد إصدار هذه الوثيقة إمّا على نَسَب الطفل سواءً لأمّه أو أبيه، أو على الدّولة محلّ الميلاد، ويأتي هذا الإقرار الضروريّ لعدّة ميّزاتٍ إنسانيّة، تجعل الطفل يتمتّع بحقوقه كمواطنٍ في بلده، فإلى جانب إثبات العمر الحقيقيّ والنَسَب لأبوَيه ومسقط رأسه، يحصل الطّفل صاحب الجنسيّة على حماية الدولة التي تستضيفه من جرائم التحرّش الجنسيّ، والتجنيد المُسلّح، والعمالة المُبكّرة، والاتّجار بالبشر؛ إضافةً إلى إمكانيّة شقّ طُرُق السفر الآمنة للعودة إلى بلده الأمّ بعد ترحيله من بلد اللجوء عندما تنفضّ الحرب، بدلاً من سفر التهريب الذي قد ينتهي بالموت !!..
لذلك كانت خطواتٌ على طريق تجنيس أطفال اللاجئين السوريين قد بدأتها المفوّضيّة العُليا لشؤون اللاجئين، بدءاً من (لبنان) و(الأردن) اللّذين باشرت حكوماتهما فَتْح مراكزَ خاصّةً باللاجئين السوريّين، لتقديم وثائق زواجهم وبالتّالي تسجيل مواليدهم، إضافةً إلى تسجيل مليون طفلٍ سوريّ حول العالم ومنحهم وثائقَ هويّةٍ، واستخراج شهادات الميلاد لمواليد السوريّين في بلاد المنفى، كي لا يصبحوا عديمي الجنسيّة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث