الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / فصول من التغريبة السورية.. “مَنْ يُضرب بالعصيّ ليس كمن يعدّ الضربات”

فصول من التغريبة السورية.. “مَنْ يُضرب بالعصيّ ليس كمن يعدّ الضربات”

فاطمة ياسين
كلمة “تنزيلات” التي تشاهدها في الصورة على واجهة هذا المحل لا تعني أنك في الصالحية، أو شارع الحمرا، ولا في أي دولة من دول بلاد العرب أوطاني، إنها هنا في مرسين التركية حيث يتواجد حالياً أكثر من سبعين ألف سوري.
بعد مرور ثلاث سنوات على لجوء السوريين اختفت في مرسين مظاهر المتسولين الذين يملؤون الشوارع، فقد نُقلوا جميعاً وبالقوة إلى المخيمات المقامة لهم على الحدود السورية التركية، حيث انتظار الخبز والمعونات وكاميرات الفضائيات، وتعاطى التجار وأصحاب البيوت الأتراك بإيجابية أكبر مع الوجود السوري. الابتسامة والمزاح باستجماع شتات ما يعرفونه باللغة العربية أو الانكليزية، ومحاولة تقديم المساعدات ظاهرة موجودة بكثرة هنا في مرسين، يعامَل بها السوريون أصحاب رؤوس الأموال، الصغيرة منها والكبيرة.
بعض تجار حلب والشام واللاذقية استقروا هنا وقصدوا “المولات” والأسواق الكبيرة والصغيرة واستأجروا بيوتاً بعقود سنوية وكأنهم قد فقدوا أي أمل، أو رغبة، بالعودة إلى الوطن. 
استطاع بعضُ السوريين من أصحاب المهن اليدوية، (نجارة، حدادة، طهي، شاورما…)، الحصول على عمل، كل في مهنته، حتى لو بأجر قليل نسبياً، أما الجامعيون وأصحاب الشهادات العليا، وبعد أن أصابهم اليأس من الحصول على أي عمل لهم في مرسين فقد حزموا حقائبهم وغادرا، قاصدين أماكن أخرى.
زياد وأيمن وهنادي، اتجهوا إلى كراج مرسين، ودفعواً خمسا وثلاثين ليرة تركية، نحو (15 دولار) ثمن تذكرة باص إلى غازي عينتاب، فقد تلقوا وعوداً بالحصول على عمل مناسب وفق اختصاصاتهم في تلك المدينة الصناعية. 
هناك في غازي عينتاب، كما في مرسين، تقف اللغة التركية، التي لا يجيد الأتراك بعمومهم غيرها، حائلاً بينهم وبين الوظائف، لكن تواجد أربعمئة ألف سوري هناك، سببه وجود ما يدعى الحكومة المؤقتة، التابعة للائتلاف السوري المعارض، بالإضافة إلى كثرة عدد المنظمات هناك، والتي تعنى بالشأن السوري الانساني والاجتماعي، وهذا ما أمن فرص عمل جيدة للسوريين في عينتاب.
يعج مول، (مجمع) “السانكو بارك” في عينتاب بالناشطين والناشطات السوريين. يتجمعون بعد انتهاء عملهم في وظائفهم في الشرفة التابعة لهذا المجمع، حيث يدخنون ويشربون القهوة والكولا. عَمِلَ زياد موظفاً في أحد وزارات الحكومة المؤقتة براتب معقول (بالدولار)، يحلم به معظم السوريين، فلعل من الإيجابيات النادرة للحكومة المؤقتة هو تأمين عمل لبعض السوريين يكفيهم ذل المخيمات.
كما استطاعت هنادي، بسبب كثرة معارفها، الحصول على وظيفة صغيرة في منظمة براتب مقبول، أما أيمن فقد عاد إلى الرقة بعد أن سمع باختفاء المشاهد “الداعشية” منها مؤخراً. هذه الاستثناءات لا تقدمها إلا مدينة غازي عينتاب، ومدينة اسطنبول بنسبة أقل، أما باقي المدن التركية (أنطاكيا، أنطاليا، أنقرة…) فحالها كحال مرسين لا تستقبل إلا من لا يحتاجها، بل يعيش، إما على ما كان قد ادخره من مال سابقا، أو على الحوالات التي قد يرسلها له أقرباؤه وذووه السوريون الموجودون في منافي “أكثر ثراء” من تركيا، أو تراه وهو ينتظر دوره في مكاتب “الويسترن يونيون” و”الميني غراند” للحصول على مكافآت أرسلتها له بعض المجلات والصحف التي يكتب فيها، وترى الكتاب السوريين وقد ازدادت أعدادهم بشكل هائل، شجعهم على الكتابة وجود عدد ضخم من المجلات والصحف الجديدة المدعومة من مؤسسات ودول، معظمها غير معروف الهوية.
ورغم ذلك فالعيش في الجنوب التركي، على مقربة من الحدود السورية، له شيء من الحنين، وربما هو تمسك ضمني بالجغرافيا التي لفظت أبناءها، لكن الحنين يخفت مع وطأة الضغوطات على السوري الذي تزداد لديه الرغبة بعبور المتوسط باتجاه الشمال الأوربي، هذه الرغبة التي لا تنقص من حدتها أخبار غرق القوارب البدائية وفظاظة التعامل مع حرس الحدود وكثافة الجثث الممددة على الشواطئ، فيعتقد السوري أن هذه المشاهد هي استثناء يثبت قاعدة، مفادها أن معظم من يركب البحر نحو الشمال سيصل، والله هو الموفق.
تتكاثر الأحاديث عن قصص وصول طريفة وغرائبية وتنعقد الحلقات الواسعة في المقاهي، حيث يتم تبادل أرقام هواتف المهربين وطرقهم وأوصافهم، ولا يخلو الأمر من تحذير من النصابين مع التذكير دائماً بالاستقرار السعيد. (يعني قد ما تعذبت، بالأخير تكسب نفسك وعائلتك).
ينتظر السوري المرهق ويوغل في الانتظار بعد أن وقع ضحية نصّاب يدّعي أنه مهرب، ويملّ زوايا مكاتب الحوالة في انتظار نقود، غالبا لن تأتي، وهو يستجدي نهاية حرب قال عنها رئيس أكبر دولة في العالم: إنها طويلة وشاقة..
وصدق المثل السوري القائل: إن “من يُضرب بالعصي ليس كمن يعدّ الضربات”.

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *