عبد القادر عبد اللي
عندما انطلقت الثورة السورية، وقبل أن تُحوَّل إلى حرب إقليمية على وشك أن تغدو حرباً عالمية، استخدم النظام عبارة “استدعاء التدخل الخارجي” و”ثوار الناتو” وما إلى هنالك من تعبيرات تثير العواطف الوطنية لدى الناس، بالمقابل أعلن للخارج أنه يحارب القاعدة وجماعاتٍ دينيةً متطرفةً، ولم يكن هذا يعكس واحداً بالألف من الواقع لأنه لم يكن ثمة طابعٌ سلفيٌّ دينيٌّ للحراك الشعبي، وغالبية النشطاء الذين قتلوا يقفون على مسافة واحدة من النظام والقاعدة وتوابعها.
من جهة أخرى فإن الدول المعنية في الغرب، كانت تكرر ليل نهار بأنها لن تتدخل، وكان لهذه الورقة تأثير فعال على الساحة، ولعلها السبب الأساسي لتدمير سوريا، فالذين يدمّرون، يعرفون بأنه ليس هناك تدخل أجنبي يمنعهم، وهكذا كانت تلك التصريحات تطمينات لمن يحكم سوريا بأن يفعل كل ما يستطيع فعله.
بعد ظهور داعش على الساحة، وتصوير فيديوهات الجلد وقطع الرؤوس تحققت مقولة النظام الأولى، واكتفى باعتبار الدعم الخجول الذي يدخل إلى الناس تدخُّلاً دولياً.
بعد أن فقدت داعش إمكانية التشبُّث بالناس وحكمهم، وباتت تهمة الزنا والعلمانية والردة لديها مثل تُهَم النظام وهن نفسية الأمة… وانكشاف ورقة عدم مجابهة النظام، ومعرفتها -مثلها مثل النظام- أنها لا يمكن أن تكسب قلوب الناس، وما تدفعه من أموال يمكن أن يثمر صمتاً، ولكنه لا يمكن أن يثمر تأييداً حقيقياً، ماذا بقي لديها لاستعادة شرعيتها؟ نعم، بقيت ورقتان فقط تستطيع من خلالهما استعادة المشروعية المفقودة تماماً. هما محاربة النظام، واستدعاء التدخل الخارجي.
بقيت داعش في حال هدنة مريبة مع النظام حتى أحداث الرقة الأخيرة. فالعالم كله كان يعتبر أن هناك اتفاقاً سرياً بين الحرس الثوري الإيراني الذي يحكم سوريا، وتنظيم داعش، فعاشت الفرقة السابعة عشرة ومطار الطبقة العسكري بأمان وثبات ونبات، وبالمقابل لم تقصف الطائرات مقراً واحداً لداعش على الرغم من أنها معروفة للقاصي للداني، وهي المقرات الرسمية التي كان يستخدمها وكلاء الولي الفقيه في سوريا، فما الذي تغيَّر لتقومَ داعش تحديداً وليس الولي الفقيه بخرق هذه الهدنة؟
نعم، لقد باتت الدوائر الفكرية والأكاديمية كلها تتحدث عن تواطؤ بين داعش وحكام سوريا، وشعار “النظام وداعش واحد” جاء نتيجة فضح موقف الولي الفقيه أمام العالم كله. لم يكن أمام داعش سوى أن تجابه هذا الإمام، وتخرق هذه الهدنة، فقامت وبشكل متتابع باقتحام الفرقة السابعة عشرة ومطار الطبقة، وبالتوازي سيطرت على المنطقة السنية في العراق، وقتلت سُنَّةً ومسيحيين وأزديين، فقط لكي تترك الباب موارباً مع إيران، وارتكبت جرائم أدانها العالم كله، فقتل الأسير لا يمكن لأحد أن يدافع عنه، وإذا كان النظام يقتل الأسرى، فهذا لا يبيح للطرف الآخر قتلهم لأن الطرف الآخر يعمل على إثبات شرعيته من خلال التصرف البديل لتصرف النظام. وبالطبع هناك فظائع كثيرة لا سبيل لتعدادها وهي معروفة، ولكن هل حققت هذه الورقة مبتغاها؟
باتت الورقة الثانية هي المتوفرة حالياً، أي استدعاء التدخل الخارجي. ما الذي حققته داعش من العملية الاستعراضية بقطع رأسي الصحفي الأمريكي والبريطاني أمام الكاميرات؟ هل كسب تعاطف كارهي الولايات المتحدة والغرب؟ هل كان لديها هذا الهدف؟ لا بالتأكيد، لأنها لو كانت تهدف لهذا الأمر لأظهرت تهمها التي وجهتها إليهم والتي يمكن أن تستثير الشعور العام ضد الولايات المتحدة. فما هو الهدف إذاً؟
تعالوا نراجعِ المواقفَ بعد هذه العملية، فقد اُتُّخِذ قرارٌ بضرب داعش، وحاول نظام الولي الفقيه استغلال الموقف كثيراً دون جدوى حتى الآن، لأن الغرب لا يمكنه أن يُشركه في هذه العملية لسبب بسيط: “لماذا لم تضرب داعش عندما كان هذا التنظيم يقتل المواطنين السوريين الحياديين أو المعارضين؟”
لقد حققت داعش كلَّ النتائج التي كانت تريدها من قتل الصحفيين أمام الكاميرات، وخطف الدبلوماسيين الأتراك وأسرهم. فقد استطاعت تحييد تركيا عن التحالف الدولي (وإن كان ظاهرياً) بصفقة الرهائن الأتراك، وجذب كثير من المتشددين إليها، فهناك كثيرون تركوا تنظيماتهم ذات العقلية الداعشية، والتحقوا بداعش قبل بدء هجوم التحالف الدولي. فما الذي تريده داعش أكثر من ذلك؟ الأنكى من هذا أن الذين كانوا يصرخون “داعش والنظام واحد” هم اليوم في صف داعش بذريعة يجب تقديم ضرب النظام على ضرب داعش؟ أما كنتم تقولون إنهما واحد؟ أليس ضرب هذا يعني ضرب ذاك؟ هل كان كلامكم كذباً ومراءاة؟ لا تسنوا أن الكذب والمراءاة حرام دينياً، فهل ستضطرون للبحث عن مشروعية على الطريقة الداعشية مستقبلاً؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث