الرئيسية / تحقيقات / راجعي أمن الدولة.. يولا ابنة الأشهر الخمسة!

راجعي أمن الدولة.. يولا ابنة الأشهر الخمسة!

حافظ قرقوط 
ابتسمت.. كان لابتسامتها عذوبة الحياة التي لم تتلّوث، وصدق الروح البشرية التي تعيدك للطمأنينة، وتجعلك ترمي جانباً كل أسباب التوتر، أو ربما هي من وجد الأمان أخيراً، فأطلقت لشفاهها النديّة حرية الابتسام.
 من بين ذراعي أمها كادت أن تقفز لتطير ككلّ عصافير سوريا التي غادرت بعيداً عن النيران التي التهمت كلّ شيء، هل أحسّت بالحرية؟ وأية حرية!! 
هي لم تهتف لها يوماً، بل إنها لم تتقن لفظ الأحرف، لكن أشهر عمرها العشرة قد حملت حكايا من طعم آخر.. اسمها يولا، هكذا نادتها أمُّها حين أودعتها ذراعا والدها لتطيرَ هناك نحو القلب، وليتعرّف هو على ابتسامة ابنته الصغيرة، ففي آخر لقاء بينهما، حين ودّعها، كانت يولا تجتاز شهرها الأول، فقط طبع قبلة على جبينها، وغادر.. بعد أربعة أشهر حاولت أمُّها أن تعبّر الحدود بها على أمل أن تجتمع الأسرة بمكان أكثر أمنا، حينها أصبح عمر يولا خمسة أشهر، وكانت بين ذراعي أمها التي اصطفت على منفذ المغادرة نحو لبنان لتختم جواز سفرها. نادى عليها ذلك الموظف باسمها، فلم تكترث، وحدها الأم تساءلت فجاء الجواب؛ “يولا مطلوبة لأمن الدولة وممنوع عليها أن تغادر”! كانت يدها الصغيرة تداعب الهواء الذي حمل تلك الإجابة، أما أمّها فقد بقي الصّدى يتجوّل في رأسها للحظات. 
نظرت إلى ابنتها، ثم نظرت إلى الموظّف، علّها تجد جواباً فيه أحلام طفولة، لا أكثر، فعاجلها الرجل بكلمة: “افسحي المجال لغيرك، وعودي كي تراجع ابنتك أمن الدولة”! ابتعدت أم يولا من بين الجموع تحاول ترتيب الأفكار التي تزاحمت في رأسها على عجل، وهي تتأمّل ابنتها وأصابع كفيها الناعمتين، تتوسّل إجابات على تلك الكلمات التي اقتحمت أذنيها كما تقتحم البيوت الآمنة للتفتيش. فتشت ابنتها عن أي ممنوع يتمترس في شهور عمرها وعن أي ذنب اقترفته؟ لم تجد سوى أن لها أباً مطلوباً لأنه هتف للحرية، واختفى عن أعين الأمن، لكنّ الأمن ذا الأعين المركّبة تابع أنفاس الولادة، فوافاه موظف النفوس بإضبارة الطفولة، عادت يولا مع أمها إلى المنزل وأصبح لديهم كابوس جديد، متى يتم اعتقال يولا؟ ما العمل؟ أنراجع أمن الدولة أم ماذا؟ وابتدأ الابتزاز، وطلب المال لإصدار أمر بكفّ البحث عن تلك الطفلة، وشهراً بعد شهر، وترقب بعد آخر أصبح عمر يولا عشرة أشهر، وغدت هي وأمها تحت الطلب لمراجعة أمن الدولة، فقررت أن تعتقل هي ابنتها إلى صدرها قبل أن يعتقلهما الأمن، لتقطع مسافة اللجوء من حدود أخرى لا أختام أمن فيها ولا نظام. من جنوب دمشق إلى الحدود التركية باتت وجهتها. 
على حواجز النظام الداخلية، لا اسم ليولا ولا لأمها، عبرتها لتصل إلى “سوريا الأخرى”، سوريا التي أودع والد يولا قبلته على جبينها وهي بعمر الشهر، وغادر مقاتلاً في سبيل حريتها. في “سوريا المحرّرة” ظنت أم يولا أنها أصبحت على حواجز تخصّها وتخص مشاعرها الملتهبة نحو زوجها المقاتل في “جيشها الحر”، تداركت، بعد فيض الفرح، حين أخبرها السائق أن ترتدي ما اتفق عليه، وأن لا تكثر من الكلام، فلكل حاجز هنا رأي ومرجعية، فباغتها القلق. صار على يولا أن تحتمل حرارة الصيف، وتغطي مفاتن الطفولة الندية، وعلى أم يولا أن ترتدي ما يناسب “حواجز الحرية”. تحضرت أم يولا بلوازم العبور في كيس قريب وارتدت جلبابها، سارت والرعب يسيطر على مخيلتها من شبح يضعها على قائمة “الكفرة”. 
تأمّل عناصر أحد الحواجز هويتها، ثم تأمّلها؛ سافرة الرأس هناك في الصورة، ومغطاة إلى أخمص قدميها هنا! وابتدأ السؤال. لم تسعفها لهجتها السورية، ولا عيون ابنتها السخية بالأمل، وحده سائق الباص، الذي اعتاد على سوْق الحجج، مَن تحايل كي يمرّرها من حاجز إلى حاجز، وآخر.. وهكذا عبرت يولا بعيونها المتأملة مساحة سوريا، تاركة وراءها كل الألوان الباردة ما بين أمن الدولة، القابض على روح الطفولة، وأمن “الزي” القابض على اللاشيء.. وصلت تركيا لتساهم، بأشهرها العشرة، بزيادة أعداد اللاجئين، لكن ابتسامتها كانت تليق بالصرخة الأولى للسوريين؛ حرية!!

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *