الرئيسية / تحقيقات / في الطريق إلى حلب أو منها!!

في الطريق إلى حلب أو منها!!

سالم عدلي المحمود
في الطريق إلى حلب هذه الأيام، أو منها، تريك عيناك من العجائب والغرائب ممّا لا يخطر لك في يقظة على بال، ولا يمرُّ بك في طيف أو حلم. 
وحين توخز المشاهد والصور ذهنك المتبلّد، بالروتين والتقليد، فتحضُّه على الحركة والفعل، تجد نفسك، ورحلتك، قد قاربت على الانتهاء، شخصاً آخر تماماً. 
بدايةً، تأخذك الدروب الالتفافية الضيّقة عبر القرى والبساتين، تتوه بك في مجاهل الكروم والصحارى، تحيط بمركوبتك أتربةُ الجفاف وغباره، وكأنما أنت مسافر قبل مئة عام أو أقل قليلاً.. وهذا أمر طبيعي، وضروري، وإلا فكيف لك أن تعي تماماً أنك تعيش عصر نظام بشار الأسد، أو “الدولة الإسلامية” (داعش) ويطولُ بك الطريق ويمتد.. ولا بدَّ لآلة العقل التي أخذت تعمل، كما أشرت، من تسلية فتستدعي من الذاكرة القريبة، وأنت الحلبي السوري القادم توَّاً من زيارتك الأولى لجيرانك الأتراك، بعض ما يفي بالغرض..! وسرعان ما ينعش نفسَك شعورٌ بالامتنان الزائد تجاه هذا البلد الذي احتضنك مثل أبٍ عطوفٍ، إذ انتشلك وأهلك، وأصحابك وأحبابك ومواطنيك من لجج موت مقدَّر أو حمأة أحزان محتمة.
 وتتوارد الصُّوَر من هنا وهناك على شاشة ذهنك، تتأملها بإمعان، ولأن المسافةَ جدُّ قريبة بين مصدري الصور الواردة، بل هما إلى زمن تاريخي واحد، غير بعيد، ولعلهما، أي البلدين، معدودان في خانة واحدة! يدفعك تفكيرك العفوي إلى تساؤل فيه شيء من المرارة: لماذا أنت في بلدك؟ ليس الآن، بل قبل زمن الموت والمتاعب المخيمين، تعيش التخلف المقيت في ألوان حياتك كلها، ويعيشون هَمَّ الحداثة والتطوُّر والرُّقي في مجالات حياتهم كلها. وتلوّح لك مظاهر حياتهم شوارعَ نظيفةً، وطرقاً سليمة مستقيمة غير محفرة، ووسائط نقل صديقة للبيئة.. وأبنية حديثة أنيقة، ومساحات خضراء تمتد، على مدى النظر، مورقة زاهية، وألعاب متنوعة تنتشر في ظلال أشجار الحدائق تتناغم مع أهازيج الأطفال وفرحهم بها، إضافة إلى الكثير الكثير ممّا يمنح الإنسان نفحات من راحة ونمو وارتقاء.
يتوقّف شريطُ الصُّور، يقطعه داعشي، يصعد إلى السيارة بسلاحه الحديث ولباسه الفلوكلوري، وقناعه الذي يمكنه من رؤيتك، ويمنع عنك رؤيته.. يحييك بتحية الإسلام، فترد وقلبك يرتجف.. يطمئن إلى أن النساء من الركاب قد أخذن أماكنهن في المقاعد الخلفية خلف بعولهن وآبائهن وأخوتهن، وقد أسدلن كامل سواترهن على أجسادهن ووجوههن.. تتذكر أن السائق هو الذي طلب ذلك منهن..! 
ويسأل المجاهد الداعشي عن المحارم، وعمّا إذا كانت هناك واحدة تفتقر إلى محرم؟! فلا يأتيه جواب، فالكل قد لقنه السائق، ودرّبهُ على ما يجب قوله، وفعله..! يتحقق الرجل وسلاحه تحت يده بمثال قريب، وحين تطمئن روحه إلى أنَّ الأمور كلَّها سليمة وعلى ما يرام.. يبدأ بخطابه القادم من أعماق التاريخ عن القيم والأخلاق المهدورة، وعن ضرورة مكافحة الأنظمة الكافرة التي يقودها خارجون على الإسلام والدين الحنيف.. ويذكِّر الناس بواجبهم الجهادي، وبتجاهلهم إيّاه، مشيراً إلى هؤلاء المجاهدين القادمين من أصقاع الأرض قاطبة مضحّين بأرواحهم في سبيل الدين “والحق” بينما يتخلَّف أصحاب الشأن، مسترخين مستسلمين في دَعَةٍ وخمولٍ، لسلطان الضلال، راضين عن حياتهم في بلاد تعجُّ بالكفر والكافرين.. وفجأة يرفع من وتيرة صوته متسائلاً: 
كيف يسمح لكم ضميركم بأن تتركوا لنسائكم العنان لأن يتجوّلن بين هؤلاء الكفرة؟! ألا تخجلون من أنفسكم..؟! لا تقولوا لي: هذا دكتور، وذاك مهندس.. كلنا أبناء آدم، وآدم من تراب وإلى التراب جميعاً نعود..! ويدبُّ الهلع في نفوس الركاب حين يسمعونه يقول:
الآن، بعد دقائق قد تنقلب بكم هذه السيارة.. فهل ستلاقون وجه ربكم؟! هكذا..! بالكفر! يا ويلكم!
تبقون على صمتكم لا أحد منكم يتجرّأ على كلمة واحدة.. ربما من خوف أو من تجاهُل.. تغادرونه إلى حواجز من نوع آخر..! يعلن السائق عن الانتهاء من منطقة داعش، وستدخلون إلى مناطق النظام الأسدي..! بعضكم يتندّر بما جرى.. ومعظم النسوة يكشفن الستائر ليستنشقن ما حُرِمْن من هواء نقي..
يلتفت السائق إلى معاونه بالسؤال: جهزت المئات؟ فيردُّ بالإيجاب.. وعند أول حاجز يلاصق عسكري الحاجز جانب السيارة الأيسر، ألسنا يساريين، عند نافذة السائق، يد السائق تنزل إليه بالمئة أو المئتين بحسب التسعيرة التي وضعها الحاجز لنفسه، يقول العسكري “لوين” يا شباب؟!
إلى حلب.. ويكون المبلغ قد صار في يده.. فيقول: الله “مَعْكِنْ، موفّقين”.
تتالى الحواجز.. فما بين الحاجز والحاجز حاجز ثالث.. وللعلم فقط فإن هذه المبالغ كلُّها من جيوب الركاب، وحسابها محسوب مسبقاً، وضمن الأجرة.. لدى الحاجز الأخير، على أبواب حلب، تحدث مشكلة صغيرة، لكنها تُحَلُّ بسرعة، إذ ينزل المعاون حاملاً هويات الركاب “لتفييشها” وبيده ألف ليرة يأخذها منه أوّل عسكري يصادفه.. يتابع الرجل طريقه نحو التفييش.. فيطلب المعنيُّ المعلومَ.. يشير المعاون إلى أنَّ العسكري قد أخذها أي (الألف).. تبدأ الإشارات بين الاثنين، ولا تحل إلا بعودة المعاون لاستردادها وتسليمها لمن هو أهل لها.. ولا مشكلة، عندئذ، فالجماعة عند الحق، ولا أحد يتجاوز على الآخر.. وتدرك أنت جواب سؤالك المشوب بالمرارة..  سؤالك عن تخلف قوم وتقدم آخرين.. ويكون التعب قد نال منك ما ناله وليس لديك من رغبة غير أن تنام..!   
       

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *