الرئيسية / رأي / منهجية

منهجية

عبد القادر عبد اللي 
لقد أثبت النظام السوري خلال السنوات الثلاث الأخيرة على الأقل أن أهمَّ مشروع لديه، هو مشروع التجهيل الممنهج، وقد حقق نجاحاً منقطع النظير، ونتائجَ لم يكن أحد يتصورها. فلولا هذا التجهيل لما استطاع حشد كل أولئك “المؤيدين” الذين صدقوا أن النظام السوري كان على وشك تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، ويعدُّ العدّة للأندلس مما يُرفض حتى في علم الدراما وخيال أفلام الكرتون… 
الأمر على الطرف الآخر ليس أفضل حالاً، فأحاديث المقاهي صارت مقالات رأي، والمهني صار قائد لواء، ومن يكره حتى القراءة صار ناشطاً إعلامياً، وألّف الناشطون الإعلاميون قرارات وطنية وقوانين دولية خاصة لا أحد يعلم بها سواهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر ما يسمى القانون الدولي للاجئين، وقد ألّف الناشطون المعارضون اللاجئون هذا القانون بمناسبة اعتداءات الأتراك على السوريين، والغريب أن هذا القانون الدولي للاجئين -السوري المنشأ- يتطابق مع قانون اللجوء السويدي، وليس الإيطالي أو الإسباني أو البلغاري… 
طبعاً يمكن كتابة مئات الصفحات، ولكن مناسبة هذا الأمر اعتداءات الأتراك على السوريين، وبدء المناحة و”اللطم” إضافة إلى الأصوات “الصحفية” التي تتحدث عن قانون دولي للجوء. 
نعم، تتشاجر أسرتان سوريتان في أنقرة، فتحرق إحداهما بيت الأخرى بحسب الإعلام التركي. وبالطبع هذا بيت مستأجر، وتكبد الخسائر مالك البيت، فلم يعد أصحاب البيوت في هذه المدينة يؤجرون للسوريين. في المدن الأخرى قصص مختلفة، لكنها عموماً تشترك بنقطة واحدة: “عدم احترام السوريين للمجتمع الذي يعيشون وسطه” وحديثهم بصوت مرتفع، وكثير من الأمور الأخرى التي لا يجرؤون على الحديث فيها منها إطلاق اللحى بطول قبضتين وليس قبضة واحدة، وحلاقة الشوارب على الناعم، وارتداء الجلابيات القصيرة على الطريقة الأفغانية، أو المنديل الذي يغطي وجه المرأة والذي يعتقد السوريون أنه جاء من تركيا العثمانية، ولكنه في الحقيقة جاء من إيران الصفوية، وكذلك موضوع المتسولين، والكثير من الظواهر. 
ثمة جانب أتى على ذكره رئيس الحكومة التركية السابق إثر هجوم بعض أهالي عينتاب على السوريين، ولكن “النشطاء” لم يتوقفوا كثيراً عنده وهو أن هناك تحريضاً. نعم، إنها كلمة حق، هناك تحريض، وهناك إساءات فردية أو جماعية تشكل مادة غنية لهذا التحريض. 
ألسنا مقصرين؟ أليس لنا أخطاء؟ ألم تؤدِ أخطاؤنا إلى كثير من الأحداث الفردية المتحولة إلى جماعية؟ نعم، ولكن القضية أكبر من ذلك بكثير، وهذا ما عجزت عن رؤيته المعارضة السياسية والناشطون (بكل التنويعات) بسبب الجهل الممنهج الذي زرعه فينا النظام. فالمعارضة السياسية السورية المقيمة في تركيا اعتبرت تركيا هي “تركيا أردوجان” (بالجيم المصرية) وليست تركيا الديمقراطية التي تضم أحزاباً سياسية أخرى ومنظمات مجتمع مدني غير إسلامية، وحتى أن هناك أحزاباً قوية وإسلامية يمكن أن تكون قريبة من الإسلاميين المهيمنين على القرار السياسي السوري المعارض، فتجاهلتها واستعدتها، وهي تساهم بشكل أو بآخر في التحريض. ترى ألم يكن من الممكن إقامة علاقات ودية معها أو مع بعضها لدرء تحريضها على الأقل؟ لو أقيمت علاقات من هذا النوع كيف ستكون الصورة؟. وبالطبع هذا غير ممكن بالنسبة للمعارضة السورية، لأنها قادمة من “سورية الأسد”، وتعتقد أنها في “تركيا أردوجان”… 
سيقول قائل إن كثيراً من المعارضين السوريين عاشوا في أوروبا، وأمريكا، وتذوقوا طعم الحرية والديمقراطية، ويعرفون قواعد العمل السياسي الديمقراطي، ولهذا الكلام أيضاً رد بسيط، سأذكركم بالقابون الدمشقية كنموذج، ألم يكن فيها لكل قرية من قرى سورية حارة؟ ومن يعرف منكم مساكن الحرس الجمهوري في قدسيا يعرف كيف يجلس الناس أمام البنايات جلسة تقليدية وهم يقرقرون بالمتة.. أي إننا عندما نسافر إلى بلد ما في العالم نصطحب معنا قريتنا بكل ما فيها دون التفكير بما يمكن أن يؤدي إليه هذا الاصطحاب، فهناك عادات جميلة وأخرى سيئة، والتلاقح الاجتماعي يجب أن ينبذ السيئ، ويُقوي الجيد، وسوريا الجميلة التي في أحلامنا هي سوريا التي استوعبت مختلف الثقافات واندمجت فيها، ففي مطبخها الحلبي على سبيل المثال تجد العالم كله وليس حلب فقط، ولكن الجهل يمنع هذا الأمر. نعم، لقد عاشوا في أوروبا، ولكنهم على الأغلب نقلوا معهم عاداتهم وتقاليدهم السيئة، ومن هذه العادات بل أهمها فكرة “سورية الأسد”… 
بالمناسبة، لا أقول هذا لأنني أختلف عنكم، فأنا أيضاً عشت عمري معكم، وعشت ردحاً خارج الوطن، ونقلت شيئاً من عاداتي وتقاليدي معي، ولم أتأقلم مع كثير من العادات التي رأيتها في الخارج، ولكن الفرق البسيط أنني أعترف بجهلي، وأعرف أن النظام جهّلني، وأعرف أن العمل على التخلص من الجهل مقاومة للنظام، وأنني يجب أن أعمل على التخلص منه… 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *