الرئيسية / رأي / متى يسقط الإعلاميون؟

متى يسقط الإعلاميون؟

ثائر الزعزوع
بسخرية شديدة بل وبشيء من القرف تابعنا مشهد ميشلين عازر وهي تتلذذ بإجراء مقابلاتها الشهيرة في داريا الذبيحة، وانتقدنا جميع تصرّفات إعلاميي النظام وصنفناهم على أنهم شبيحة، كونهم كانوا يرتدون الزي العسكري، ويتجوّلون بحماية قوات النظام، ويعبرون عن وجهة نظر النظام.
 نحن جميعاً ودون استثناء اعتبرنا ما فعله أولئك خروجاً على التقاليد الصحفية، واتّهمناهم بالعمالة للأجهزة الأمنية، وهم في الحقيقة كذلك، فمن يعمل في الإعلام السوري يعرف أن من تبقّى على ظهر السفينة هم أولئك المرتبطون بشكل أو بآخر بآلة النظام العسكرية والأمنية نفسها، إذ لا فرق بين عنصر المخابرات وعنصر الإعلام، إذ إن الماكينة الإعلامية للنظام تدار بتوجيه مباشر من الأجهزة الأمنية، وهي تتلقّى تعليماتها بشكل مباشر من الأقبية المظلمة التي يعمل فيها المحققون والجلّادون أنفسهم، وقد تعدّدت الصُّور التي يظهر فيها بعض إعلاميي النظام، وهم يرتدون الزيَّ العسكريَّ الكامل أو يحملون رشاشاً أو مسدساً، ولعل الجميع يتذكرون صورة مراسل التلفزيون السوري في حمص وهو يدبك برفقة بعض جنود النظام بعد قيامهم بدكِّ أحد أحياء المدينة بالصواريخ، هذا على الضفة الأخرى.
 أما على ضفتنا فقد برز الإعلاميون كأشخاص حملوا أكفانهم، وساروا، وقد استفضنا في الكتابة عمّا قدّمه الكثير من الإعلاميين للثورة، ودورهم الاستثنائي في فضح جرائم النظام، لكننا بالمقابل استنكرنا حالات التضخُّم التي أصابت البعض منهم حتى بات يظن نفسه روح الثورة، و”باني سوريا الحديثة”، ومثلما وقع “إعلاميو” النظام في فخ المبالغة والكذب فقد وقع إعلاميو الثورة في ذلك الفخ، ومثلما رقص إعلاميو النظام برفقة الجنود، كذلك فعل بعض إعلاميي الثورة، والتقطوا الصور وهم يحملون البنادق الآلية أو الرشاشات ورأيناهم يقفون على راجمات الصواريخ، في مشاهد قلّما رأينا مثلها في العالم، وهي لا تعكس سوى غرور وغباء، بل، تحوّل بعض إعلاميي الثورة إلى مرافقين مقرّبين من بعض قادة الكتائب المقاتلة، وللطرفة فقط فإن أحد الإعلاميين شكل كتيبة صغيرة، وبدأ فعلاً بالقتال معتبراً أن دوره هو ساحة المعركة، وليس “الكلام الفارغ”!!
 مؤخراً طفت على السطح مأساة كان أحد طرفيها ناشط إعلامي هو قيصر حبيب، الذي اختلف مع الملازم قيس القطاعنة فأطلق عليه النار فأرداه قتيلاً، والملازم القطاعنة هو من أوائل الضباط المنشقين، وقد التحق مبكّراً بركب الثور،ة وحقق انتصارات مشهودة في ساحات حوران، وكان قيصر حبيب يطل على الإعلام ليتحدّث بإسهاب عن البطولات التي يقدّمها أبطال الجيش الحر في منطقة حوران خلال تصدّيهم لقوات النظام، وصحيح أنّي شخصياً كانت لديَّ الكثير من الملاحظات على أداء قيصر حبيب وهي ملاحظات مهنية في المجمل، إلا أن أهم ما استوقفني في مسيرته الإعلامية القصيرة هو رغبته الدائمة بالظهور حتى وإن على حساب الحدث نفسه. لكن ذلك لا يمنعني من الاعتراف بأنه قام بدور فعال في بعض المراحل، وأن تغطياته الميدانية كانت جيدة.
فما هي خفايا حادثة إطلاق النار التي راح ضحيتها القطاعنة المقاتل، وأصيب قيصر حبيب الناشط الإعلامي؟ 
تقول الحكاية إن نقاشاً حاداً دار بين حبيب والقطاعنة وإنهما اختلفا في وجهة النظر فأمر القطاعنة مرافقيه باعتقال حبيب فما كان من الناشط الإعلامي إلا أن استلّ بندقيته، وبدأ بإطلاق النار على القطاعنة ومرافقيه فأصاب من أصاب منهم وقتل القطاعنة، وهذه هي الحكاية التي وردت على صفحة قيصر حبيب على الانترنت ويبدو أن أحد “مرافقيه” هو من قام بكتابتها، وبرأيي لو أن “الناشط الإعلامي” وافق على أن يقوم مرافقو “المقاتل” باعتقاله لتحوّل في نظرنا إلى إعلامي مدافع عن الحرية ضد الظلم أينما وجد، ولقلنا عنه الكثير، ولطالبنا القطاعنة بإطلاق سراحه، تماماً كما نفعل عندما يقوم النظام أو أية جهة أخرى في العالم بتوقيف أو اعتقال صحفي أو إعلامي أو ناشط، أما أن يستلّ بندقيته فهذه ما لم نعهدها في إعلامي على الإطلاق، ولم نسمع عنها من قبل، فبدلاً من الكاميرا وآلة التسجيل صار الصحفي يحمل بندقية، ويرافقه عدد من المسلحين الذين يعتبرونه باب رزق لهم، فهو يقبض من أكثر من جهة جراء التغطيات التي يقوم بها، أو “التسويق” الذي يقوم به، وهو قادر على منح أولئك المسلحين رواتب شهرية بدل جلوسهم عاطلين عن العمل، وهكذا انقلب مفهوم الإعلامي، وتحوّل على يد قيصر حبيب وغيره إلى شكل آخر من أشكال العمل الحربي، نعم قد تكون مراسلاً حربياً وقد تكون معرّضاً للموت في كلّ لحظة جرّاء القصف أو الاستهداف المباشر كما حدث مع محمد الحوراني، أو طارق أيوب أو أطوار بهجت أو براء البوشي، ولكنهم جميعاً كانوا يقومون بعمل إعلامي صرف، لا تشوبه شائبة، ولا يمكن لأية جهة في العالم أن تدين عملهم، أما أن تحمل بندقية أو مسدساً وتقول إنك إعلامي، فاسمح لي نحن لا نجيدُ حملّ الأسلحة، لم نتعلم أن هذه من أوليات المهنة التي نذرنا حياتنا لأجلها، واسمح لي نحن جميعاً  كنا سنتعاطف معك لو اعتقلت، لكن بعد أن قتلت، فأنت بنظرنا مجرّد قاتل، ولا تستحق أن تسمّى إعلامياً مهما حاولت، ومهما فعلت. 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *