مرهف دويدري
بدأت القضية
منذ أن خرج السوريون في الشوارع بأولى مظاهراتهم ضد النظام، حيث تخلّف معظم المثقفين
عن المشاركة بتلك المظاهرات، فكانت الفئة المنتفضة ضد النظام هي فئة العمال وغير
الموظفين، وفي سوريا من المعروف عن معظم المثقفين والأكاديميين أنهم موظفون في
قطاعات ومؤسسات الدولة أو نقاباتها والتي يسيطر عليها النظام.
ويبدو أن هؤلاء فضلوا الانتظار والتريُّث في
الأمر حرصاً على مصادر أرزاقهم بشكل عام، وبعضٌ منهم رفض الفكرة أساساً، وعدَّ من
خرج ضد النظام لم يقم بذلك عن وعي ودراية، وأن ما يحدث مجرّد حدث عرضي سيُخمد.
بعد مرور الشهور الأربعة
الأولى بدء النظام بالتصدّي للمتظاهرين بكل وحشية، وتنفيذ مجازر حقيقية بحقهم، فبدأ
بعض المثقفين بالانضمام للثورة السلمية التي لم تطل مدتها، وتخلف بعضهم
الآخر عن هذا الحراك الشعب، وعلى الرغم من انضمام العديد إلى صفوف المتظاهرين، إلا
أن ذلك لم يردم الهوة العميقة بين المثقف والشارع، هذا الشرخ القديم قدم النظام
السوري، والذي على ما يبدو تساهم مؤسسات المعارضة الممثلة للثورة بتوسيعه وتعميقه.
خارج نطاق الاهتمام
الاهتمام
بالمثقف والثقافة لم يتغيّر بين طرفي المعادلة التي اتضح أنها مستحيلة الحل، فظهرت
فكرة اللامبالاة من تيارات المعارضة بالثقافة والمثقف، تماماً كما كان النظام
يتعامل مع مثقفيه، الذين غيّبوا قسراً عن المنابر لأنهم لم يرموا عصا الطاعة لولي الأمر،
فولي الأمر هنا أحد إداريي المؤسسات
الثقافية، سواء في المعارضة والنظام.
أحد
الأساتذة الجامعيين تحفّظ على ذكر اسمه، مقيم في مدينة تحت سيطرة تنظيم “الدولة
الإسلامية” يقول صراحة: ” أنا
مدرس جامعي، وشاعر، ولا أجد فرصة عمل في وزارة الثقافة ووزارة للتعليم العالي الحكومة
المؤقتة، ولا تستطيع هذه الوزارات أن تنشلني من هذا الضياع!، بينما “الدولة الإسلامية”
تقدّم إغراءات هائلة للعمل معها في التعليم ..، إلى الآن ما زلت أقاوم الجوع كيلا أعمل
مع “الدولة”، ولكن أعتقد أنني سأجوع أو قد أجبر على العمل معهم عندها
سأوصف بالإرهابي، طبعاً هذه حال الكثير من الأكاديميين زملائي هنا”.
ويرى
الشاعر، حسن إبراهيم الحسن أن المشكلة تكمن في السلطة أساساً يقول: ” الشخصيات
الإدارية التي ترى بالمثقف الحقيقي خطراً يجب استبعاده وعلى مرِّ عقود من غياب
النقد الحقيقي أصبحت الشخصيات الإدارية هي المحرّك الوحيد والفاعل في حركة الشارع،
خاصة أن الشارع كما سبق وذكرت في غمرة انشغاله بتأمين احتياجاته الأساسية وغياب
وعيه الثقافي أصبح يرى في هذه الشخصيات الإدارية “الشخصيات الناجحة
ثقافياً”.
صنعة
مثقّفي الثورة
لعل
التشكيل المعارض الأول لم يهتم لأولئك الذين كانوا بالداخل السوري، وبدأ باستيراد أشخاص
محسوبين على الثقافة من السوريين الذين يقيمون في الدول الأجنبية، وربما منذ
الولادة مما جعل عملهم إداري وثقافتهم صناعة، يؤكّد على ذلك الشاعر والصحفي محمد إقبال
بللو، ” عملت التشكيلات المعارضة وأهمّها الرسمية منها وهي،
الائتلاف والحكومة المؤقتة، على عدم منح المثقفين فرصة لإثبات دورهم بل اعتمدت على
تشكيل هذه الأجسام السياسية حسب أجندات وولاءات خارجية، وعلى مقاييس حزبية ضيقة،
ولم يعتمد على الكفاءة، أو يأخذ بما قدّمه المثقف للثورة ودوره فيها”.
ويضيف،
” عمدت تلك المؤسسات إلى جلب استقطاب أشخاص غير قريبين من الواقع السوري قضوا
معظم حياتهم خارج سوريا ليتولوا مهام العمل المعارض، ما أدى إلى إفشاله لعدم
انبثاقهم من الداخل، ومن الشعب الذي انتفض في وجه النظام، هؤلاء اعتبروا العمل
المعارض مجرد وظيفةٍ وعملٍ جديد، لا مشكلة لديهم أن تطول مدة هذه الوظيفة قبل
التقاعد منها، طالما أنهم يعيشون في مأمن وبِوارد مادي جيد”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث