حاوره مصطفى محمد
يدور حمزة رستناوي بين فضاءات ثلاثة،
فهو الطبيب المتخصص بالأمراض العصبية، وهو الشاعر الذي يرى في ذاته امتداداً
للشعراء القدامى كالحلاج، وابن الفارض، وغيرهم، وهو المفكر الذي يحاول تشخيص
الثقافة العربية، والإسلامية “المعتلة” كما يراها مستعيناً بخبرته
الطبية.
حمزة رستناوي من مواليد مدينة مورك
(1974)، يقيم حالياً في السعودية لدواعي
العمل، له أربع مجموعات شعرية مطبوعة وهي “ملكوت النرجس، وطريق بلا أقدام،
وسيدة الرمال، والشذرات”، بالإضافة لمؤلف “أضاحي منطق الجوهر”،
المتخصص في تطبيق المنطق الحيوي على عيّنات من الخطاب الإسلامي، وحالياً لديه مؤلف
جديد قيد الطباعة بعنوان “الإعجاز العلمي في القرآن الكريم تحت المجهر”.
الفكر، أم الشعر؟
أجد نفسي في كل هذه المجالات، أو
الفضاءات، ففي المشفى أسعى أن أقدم كلّ جهدي للمريض، فلا أجمل من أن تقوم بمعالجة
مريض ليتعافى، ومن ثم يشكرك بكلمة، أو حتى بابتسامة، أما في الشعر فأكتشف ذاتي،
ووجودي، هو صرخة في وجه عالم يائس، ومنهار، وحلم بفعل حين يستعصي أداء الفعل، أما
في مجال الفكر فالمقاربة مشابهة لمنظور المقاربة العلمية في مجال الطب، فنحن إزاء
ثقافة عربية إسلامية مريضة في حالة اعتلال، وأسعى لاستكشاف أوجه وعلل قصورها،
وتقديم رؤى، وخيارات لتجاوز هذا القصور.
القديمة ذاتها، المتعلقة بالشعراء وعلاقتهم بالسلطة، وخصوصاً ما يتعلق بصداقته مع
“حافظ الأسد”، لذلك اسمح لي بقلب المقولة الشائعة، وطرح السؤال التالي:
لماذا لا يحق للشعراء ما لايحق لغيرهم؟.
مآله النهائي إلى خطاب أخلاقي. الشعراء المدّاحون، وشعراء البلاط، وكذلك
الشعراء العقائديون، أو “الإسلامويون”، هم يستخدمون الشعر كحيلة جمالية
لتبرير القباحة، والرثاثة،وهذا نسق مهيمن في الثقافة العربية الإسلامية، ومثاله
الأبرز تاريخياً “المتنبي “، وشعراء النقائض،ولكن اليوم لم يعد مقبولاً
بمعايير العصر، استمرار هذه الظاهرة بنماذج، كعبد الرزاق عبد الواحد، وجوزيف حرب،
وسميح القاسم، هي من ظواهر القصور التي ينبغي إدانتها، وتجاوزها، وكلامي السابق لا
يعني اغفال الميزات التقنية، والجوانب البلاغية في أشعارهم، وهذا ليس بحكم شامل
لكل نصوصهم، وتجاربهم الشعرية.
الشعر، والخوض في شغلنا الشاغل الآن كسوريين، الثورة السورية، هي الآن إلى أين؟
الطاغية، الثورة السورية كانت ومازالت قاصرة عن تلبية متطلبات الثورة الحيوية،
بإيجاد البديل، وهو درس هام ينبغي دراسته، والاستفادة منه، وقد تكون خميرة لثورات
قادمة.
* كأنك تلمح إلى فشل الثورة هنا،
وإذا كان كذلك هل تجد مبرراً للفشل الحالي؟
في المدى المتوسط أرى كل سوريا متّجهة
للفشل، طبعاً آمل غير ذلك، أما عن العوامل التي ساهمت بفشل الثورة فأرى أن الظروف
الدولية، والسياسات الإقليمية، كانت سلبية تجاه أي تغيير ممكن، وثانياً
“أسلمة” الثورة، وتحويلها من ثورة وطنية ديمقراطية إلى ثورة هدفها إقامة
دولة “استبداد ديني”.
ولعل
من أهم الأسباب أيضاً عدم اعتمادها على المصادر المتاحة، والممكنة، واتكالها على
الاستجداء، واستثارة النخوة العربية، والإسلامية بشكل “كاريكاتوري”،
وأضف لذلك التشرذم وعدم ايجاد القيادة الموحدة لكل الجسد الثوري.
*قلت أن من بين أسباب فشل الثورة
“أسلمتها”، هل العلمانية قارب النجاة الوحيد المتبقي للثورة؟
هذا يتوقف على فهمنا للعلمانية.
العلمانية الاجرائية التي تحترم عائد المواطنين، وتكون جزءاً من منظومة الدولة
الديمقراطية، التي تقوم على المواطنة، وحقوق الإنسان. نعم هي ربما أمل في
حل، الخلل الأساسي هو النظر إلى الإسلام كوطن، وهو في الحقيقة عقيدة.
*هل ترى أن الديمقراطية قابلة للتطبيق
في الحالة السورية الآن، بعد غيابها عن البلاد لأكثر من نصف قرن؟
سياسي، ومشروع وطني ديمقراطي، دون وجود ثقافة ديمقراطية مساعدة، وفهم للإسلام،
وننتظر ظهور قوى حيوية، يمكن التعويل عليها ذات أفق سياسي وطني، تحتوي النخب
الثورية المهمشة حالياً، والقطاعات غير المسيسة بشكل مباشر من السوريين، لكن لن
أفقد الأمل، بناء على موازين القوى، وهشاشة الوطنية السورية، التي كان الاستبداد
الأسدي يشتغل على إضعافها، وكذلك لقصور الثقافة العربية الإسلامية، ومراوحتها
التاريخية في المكان.
تنتج بعد تسويات بين قوى سياسية، أدركت عبر صراع طويل استحالة هزيمة الآخر.
كوننا في حضرة شاعر عربي، فمن غير الممكن الختام
دون التعريج على واحتك الشعرية، ماذا سيهدي “حمزة رستناوي ” القراء عبر
“صدى الشام” .
من قصيدة” الديكتاتور ذي الرقبة
الطويلة”، والتي تصف تصور الديكتاتور “بشار”، للحوار، وشكل الوطن،
الذي يتصوره، والتي كتبتها في بدايات الثورة.
الفقراتُ التي وَرِثْتُهَا عنْ
أجداديَ الديناصورات
سأجعلُهَا زنازينَ لهم
والشرايينُ التي ألهمتني الحياةَ
سألفُّهَا حولَ أعناقهم في مجدِ رقبتي
ستعيشونَ أسفلَ ذقني
سأنصبُ طاولةً للحوارِ
أنا تحتَ سقفي تحتَ سقفِ الوطن”
.
وأيضاً بضع كلمات من قصيدة ثانية
بعنوان: “هواجس منتصف الليل”
زوجتيَ ترقدُ إلى يميني
وتحدِّقُ عبرَ نافذة ِ نومها
في خريفِ عمرها
تحلمُ بقطيع ٍ من الأولاد ِ
ونجوم ٌ تشبهُ وجهَ إخوتها…
وأنتَ أيُّها الغريبُ
ما تخبِّئُ لكَ الأيامْ؟
تتساقطُ أوراقُ حزنكَ
تعصفُ بها رياحُ السموم ِ
تتساقطُ أوراقُ فرحكَ
هازئةً من هواجسكَ
ومن كلِّ مخططاتكَ المحكمة ِ الفشلْ
ورغم ذلك ستنتصر عليهم؟!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث