احمد العربي
وتجيء أعوام الأربعين مثقلة بالأحداث الجسام، في
بدايتها يُفجع الفراتي بغياب فارس من فرسان السيف والقلم، إنه الثائر الدكتور، “عبد
الرحمن الشهبندر”، الذي قتل غيلة وغدراً ففجر مواجع الفراتي، حيث بكاه في ردهة الجامعة
السورية قائلاً:
|
عرضت نفسك للمخاطر دوننا |
ولبثت تحمل في السجون قيودا |
|
|
ناضلت يوم الغوطتين وإنه |
قد كان يوم جهادنا المشهودا |
|
|
طوراً تدافع باليراع وتارة |
بالسيف تقرع بالحديد حديدا |
وفي منتصفها تقصف دير الزور من الجو بآلاف القذائف
نتيجة استمرار الثورة فيها، فتدمّر البيوت والمساجد، ويُقتل مئات الأطفال والشيوخ
والنساء فيضطر الفراتي إلى رفع الراية البيضاء مفاوضاً الجنرال “شوتيل”
لهدنة يتم للوطنيين من خلالها نقل القتلى والجرحى، ويجنب المدينة سيل الدماء
قائلاً:
|
رام العدو بنا الوقيعة عامداً |
وأراد ظلماً أن يصول فصالا |
|
|
إن سامنا سوم العبيد فإننا |
وإباء يعربَ لم نكن أنذالا |
ويرحل الفرنسيون بعد طول جهاد مخلفاً آلاف الضحايا
وآلاف المنكوبين، ويتابع الفراتي مسيرته النضالية.. مسيرة ما بعد الاستقلال فلا
هَمَّ لديه الآن سوى الهم القومي.
لقد وضع
الفراتي يده على الجرح، وطالب الحكام العرب بتحقيق حلم الجماهير حلم الثوار، وهاهو
يقف أمام شكري القوتلي عندما زار دير الزور قائلاً:
|
أشكري تدارك أمة لم يكن لها |
سوى الوحدة الكبرى على الدهر |
|
|
فكافح ولا تخضع فللحق صولة |
فقبلك لم يخضع علي ومصعب |
|
|
مدحتك لا أرجوك جاهاً ومنصباً |
ولي فوق هام النجم جاه ومنصب |
|
|
ولكن عرتني هزة عبشمية |
حداني إليها من علا المجد يعرب |
|
|
ونفس أبت إلا التحرر مذهباً |
لها في هوى علياك رأي ومذهب |
|
|
فطأ هامة الجوزاء تيهاً فقد مشت |
إليك بدير الزور طي وتغلب |
ويوجه نداءه إلى كافة القادة العرب داعياً إلى
الوحدة العربية لأنها بعث جديد على الدنيا تحيي أمة العرب:
|
أقادة العرب لا ماتت ضمائركم |
ولا فتئتم بنا غراً ميامينا |
|
|
إن العروبة تدعوكم لوحدتها |
فحققوا ما به للحق ترجونا |
لهذا السبب ركز الفراتي في خطابه على الوحدة لأن
الوحدة قوة، والتفرق ضعف، فالحدود المصطنعة التي رسمتها اتفاقية “سايكس بيكو”
عام 1917 بين الأقطار العربية، ما هي إلا أوتاد خزي وعار تصلب عليها الإرادة
العربية، لتبقى أمتنا العربية مجزأة متخلفة تزيدها جهالة وعداوة وتبعدها عن
الحضارة والرقي والعلم والتقدم، فهاهو الفراتي يعبر عن ذلك بكل الحزن الكامن فيه
قائلاً:
|
ترقت شعوب الغرب من حيث أننا |
من العلم لا قشراً أصبنا ولا لبا |
|
|
فهم أعلنوا حرباً على كل جاهل |
ونحن على أوطاننا نعلن الحربا |
أجل فلو كانت الأمة العربية أمة واحدة لما تجرأ عدو
على المساس بأرضنا، لقد كان تشتت العرب وضعفهم وجهالتهم سبباً مباشراً في اغتصاب
أراضينا، وهذا ما ألمح إليه الفراتي منذ بدايات نضاله الوطني والقومي:
فذي فلسطين تبكي دماً ويبكي اللواء
على مفاخر بيعت كما تباع الإماء
لقد كانت الوحدة العربية في دم الفراتي تسري لأنها
كل المنى وكل الآمال فلا عجب إن كانت قلبه النابض وعينه المبصرة:
|
وحدة العرب والأماني عذاب |
هي كل المنى وكل المراد |
|
|
هي بالقلب في السويداء منه |
وهي بالعين في مكان السواد |
ويتحقق بعض من حلم الفراتي عندما تقام أول وحدة
عربية في عصرنا الحديث جمعت سوريا ومصر برئاسة جمال عبد الناصر سنة 1958 فيحتضن
الفراتي علم الوحدة باكياً من الفرح مردداً:
|
إذا العلم الخفاق رف على الذرا |
فصفق لمجد العرب تصفيق نشوان |
|
|
ولا تحتفل في كل شرق ومغرب |
بمجد على الدنيا سوى مجد عدنان |
ويشمخ الفراتي بالوحدة عندما وضعت في مقدمة اهتماماتها
قضية تحرير فلسطين العربية من رجس الصهاينة، وكان يأبى التقسيم، ويرفض إعطاء شبر
واحد من أرض فلسطين للصهاينة الغزاة، وأن على أمة العرب أن تواجه التحدي بالتحدي
فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة :
|
أنسلم من أرض العروبة قطعة |
مقدسة لأشباه حاييم أو عزرا |
|
|
فلسنا إذن من عبد شمس وهاشم |
إذا لم ندع فيها أناملهم صفرا |
وينتقل الفراتي بهمه القومي والوطني من مشرق الوطن
العربي إلى مغربه يناشد الحكام العرب أن يطلقوا عنان شعبهم المكبّل ليدافع عن شرف
الأمة العربية وكرامتها، فأعداء الأمة العربية لا يراعون حرمة، ولا يحفظون ذمة
والأخبار تنبئ كل يوم عن الضحايا من الشيوخ والنساء والأطفال. وهذه المناضلة
الجزائرية جميلة بوحيرد تستغيث من الجزائر فقد صنع فيها الفرنسيون ما يخجل
الإنسانية والشرف العربي والإسلامي..
لقد ناشد الفراتي كل العرب والمسلمين أن يهبوا لنجدة
شعبنا في الجزائر بالمال والسلاح والرجال لتستمر الثورة حتى جلاء الغاصبين:
|
عرب المغرب تدعو إخوة |
في ربوع الشرق تأبى أن تضاما |
هذا هو الفراتي المناضل الذي قارع الأعداء الغاصبين
بأمضى سلاح، الكلمة الصادقة النابعة من قلب آمن بالثورة قولاً وعملاً فكان لكلماته
دوي كانفجار ودمار كزلزال، فكان شعره سبب كل مصائبه ومحنه، تشرده، وفقره، وكان
بنفس الوقت ملهماً في الثورة على الغاصبين، والحكام المأجورين، شاعر عشق الحرية
الحقة التي تنشدها روحه الأبية وتتشهاها نفوس الثائرين وهو يعرف والتاريخ يشهد بأن
الصحراء العربية هي مهد الثورات، وملتقى الحضارات، ومهبط الديانات لذلك كان يردد
دائماً مفاخراً:
|
إني أحب بلادي جد عامرة |
كما أحب حداء العيس من روحي |
|
|
فالحر في البيد ضوء النجم يرشده |
والعبد في القصر يعشو للمصابيح |
|
|
ما فاح يوماً شذا حرية أبداً |
إلا من الرند والقيصوم والشيح |
فكم هي عظيمة متواضعة نفوس العباقرة وكم هي شاقة
طويلة دروب حياتهم ما إن يقطعوا درباً حتى يغيبهم القدر في متاهاته الموحشة
وظلمائه المرعبة فيخرجون إما عبرة مهراقة أو ذكرى أليمة..
عاش الفراتي قرناً كاملاً من الزمن وهو في صراع أليم
مع عاديات الزمان وصروف الأيام ما انقطع يوماً عن النضال تتقاذفه الهموم بين مخالب
اليأس وأنياب الغدر وأظفار الخسة والدناءة وخرج من الحياة بعد طول نضال عبرة
مهراقة وذكرى أليمة..
إنها حياة العظماء الحقيقيين الذين سطروا بجهادهم
صفحاتٍ مشرقةً في سفر النضال.
لم يتملق أحداً ولم يتكسب بشعره، ولم يرغب في حياته
الطويلة بجاه أو منصب، عاش فقيراً معدماً ولا عجب، فهو
القائل:
|
قضيت عمري كله |
بين الدفاتر والمحابر |
|
|
حسبي بأني شاعر |
والشعر مفخرة المفاخر |
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث