الرئيسية / تحقيقات / “تجارة الاعتقال والاختطاف”بين التلاعب بمصير المعتقل وابتزاز الأهل

“تجارة الاعتقال والاختطاف”بين التلاعب بمصير المعتقل وابتزاز الأهل

نسرين أنابلي

ما تزال(أم محمد)، السيدة الستينية التي تسكن مناطق ريف حلب وسط ألم وشوق يعتصران
قلبها، تعلّق الآمال بعودة ابنها المعتقل لدى المخابرات الجوية،
وقد طرق بابها سماسرة و”تجار
عواطف وأحاسيس”، عازفين على وتر محبتها لابنها، من خلال ابتزازها، بمبلغ مالي
وصل إلى 15 ألف دولار، مقابل الإفراج عن ابنها المعتقل هناك.

وفي تفاصيل هذا
“الصفقة”: تُؤمّن العائلة المبلغ المتفق عليه مع السمسار ثم تتوالى ساعات
الانتظار. بعد يوم، يُهاتف شقيق المعتقل السمسار ليخبره بأنّ الإفراج عن أخيه
سيكون بعد يوم واحد وعند الظهيرة. تجتمع العائلة، لكن في اللحظة الأخيرة تعود
أجواء الحزن لتخيم على الجميع، فأوراق المعتقل لما تنتهِ بعد، والمسؤول المخابراتي
الرفيع، لم يوقع إذن الإفراج، لتبقى الدموع حبيسة عيون أم انتظرت عودة ابنها
المعتقل على أحرّ من الجمر!

تتشابه حالة النصب
والابتزاز التي تعرّضت لها (أم محمد) مع قصص العشرات من عائلات المعتقلين الذين
يقعون ضحية “سماسرة المعتقلين”، إذ يزدهر تحت جملة “الله يفك أسره”
الكثير من النشاطات المريبة، ظاهرها إنساني، لكن باطنها مادي نفعي لا يمت إلى
الإنسانية بصلة.

إنها التجارة بمصائر
المفقودين والمعتقلين وبمشاعر أهاليهم، والتي تجد لها زبائن ما دامت الاعتقالات
مستمرة، وما دامت أعمال الخطف تتواصل في ظل ظروف أمنية آيلة إلى مزيد من التدهور
في طول البلاد وعرضها.

نتيجة لذلك تحولت قضية الاعتقال
اليوم إلى ما يشبه التجارة، فقلق عائلة المعتقل ويأسها من معرفة أي خبر عن ابنها،
واعتبار اكتفاء الأجهزة الأمنية، بالمدة القانونية للاحتجاز قيد التحقيق، والتي
تبلغ 60 يوماً، يدفعها إلى اللجوء لمن أصبحوا يعرفون بـ “سماسرة المعتقلين”،
وهم أشخاص يتنوّعون بين محامين وموظفين في الأفرع الأمنية، يدّعون القدرة على
مساعدة المعتقل ومعرفة أخباره، لقاء مبالغ مالية طائلة يطلبونها من ذويه.

الغريق
يتعلق بقشة

يتحدث (أبو
خالد) من مدينة حلب، الذي اعتقل ابنه على أحد حواجز المدينة نفسها، عن رحلة البحث عن
ابنه والابتزاز الذي تعرض له ليعرف أي شيء عن ولده وفي أي فرع معتقل. يقول أبو
خالد: “منذ أن اختفى ابني حاولت التواصل مع العديد من الجهات، كبعض عناصر
الأمن وحتى بعض الشبيحة لمعرفة مصير ابني، ليتبين أنه معتقل لدى فرع الأمن السياسي
بحلب”. وبعد تفاوض مع أحد السماسرة – يضيف أبو خالد – “دفعت مبلغ مليون
ونصف المليون ليرة، فتم الافراج عن ابني فعلاً، بعد شهرين من الاعتقال، لكنه خرج بحالة
صحية سيئة”.

من حسن حظ خالد
أنه تم الإفراج عنه، فهنالك حالات ابتزاز كثيرة وصلت الى مبالغ طائلة دون أن “يفي”
السماسرة بوعودهم، كما أن هناك شباناً لا قدرة لأهاليهم على دفع مثل هذه المبالغ
لإخراجهم، فيبقى معظمهم في المعتقلات، وكثيراً ما تم الإفراج عن هؤلاء جثثاً هامدة!!

هذا ما حدث مع (أبو
صبحي) من قرية بيانون بريف حلب، الذي اختفى ابنه فجأة أثناء تواجده في مدينة حلب، وبعد
السؤال عنه أخبرهم أحد الشبيحة أنه موجود لدى فرع الأمن السياسي وطلب منه مبلغ مليون
ليرة لقاء مساعدته بالإفراج عن ابنه. بعد أن أمّن (أبو صبحي) نصف المبلغ، وأعطاه
للشبيح، الذي ادعّى معرفته بأشخاص متنفذين، على أن يتم تسليم باقي المبلغ بعد الإفراج
عن ابنه، اختفى ذلك الشخص، “وكأنه فص ملح وداب”، كما يقول أبو صبحي، واختفت
معه آمال الأب المسكين برؤية ابنه طليقاً.

“مافيات”
من المحامين

ظهرت خلال
العامين الفائتين، “مافيات” حقيقية، قوامُها بعض المحامين، ممّن جمعوا ثروات
هائلة، مستفيدين من فساد المنظومة القضائية، وارتفاع أعداد المعتقلين والمغيبين
قسراً في سجون النظام.

تروي (وفاء) من
دمشق، وزوجة أحد المعتقلين، قصتها لـ “صدى الشام”، أنه بعد غياب زوجها
لما يزيد عن شهر بدأت تتردد إلى القصر العدلي وتراجع الديوان بشكلٍ يومي لترى ما
إذا كان اسم زوجها موجوداً ضمن قائمة من يتم تحويلهم للقضاء، لتلحق بها في أحد
الأيام، فتاة عرفت عن نفسها أنها محامية، وتستطيع أن تحصل على خبر ما عن زوجها،
وأخذت رقم الهاتف ولم تطلب في البداية أي مبلغ. تقول وفاء: “فقط طلبت مني اسم
زوجي وكيف تم اعتقاله، وماذا يعمل وبعض الأسئلة العامة، وفي اليوم نفسه اتصلت بي مساءً
لتخبرني أن زوجي قضيته خطيرة جداً، ومتّهم في أحد التفجيرات، وبمساعدة الجيش الحر،
وطلبت مني أن أزورها في مكتب أحد المحامين. وبالفعل فقد ذهبت إلى هناك، وعرفتني
على المحامي أنه ذو شأن (وإيدو واصلة)، لكنها لمحت لي بأن الموضوع مكلف وليس سهلاً،
ولا سيما أن قضية زوجي خطيرة جداً، فسألتها كم يمكن أن تكلفني؟، لتجيبني أنها
تحتاج إلى مليوني ليرة، أسلمها نصف المبلغ خلال أيام، وبعد خروج زوجي تستلم النصف
المتبقي”.

لم تتم “الصفقة”
طبعاً، لأن وفاء لا تملك المبلغ، وبعد عشرين يوما يخرج زوج وفاء من المعتقل،
ليخبرها أن القصة لم تكن أكثر من تشابه أسماء.

يقول أحد
المحامين، الذي فضّل عدم ذكر اسمه: “ينتشر الاحتيال على نطاق واسع في المحاكم
عموماً، لسببين: الأول؛ جهل الناس بالقوانين، والثاني؛ خشيتهم على حياة أبنائهم
وسعيهم إلى إخراجهم من السجن مهما كلف الأمر، وذلك نظراً للظروف اللاإنسانية التي
يتعرض لها الموقوفون في المعتقلات، فيقدمون على دفع مبالغ طائلة لأول محامٍ يوهمهم
بقدرته على انتشال معتقلهم مما هو فيه، وهناك مئات الدعاوى التي دفع أصحابها مئات
آلاف الليرات السورية، ولم يتمكنوا من إخراج معتقليهم حتى اليوم”.

ويوضح هذا
المحامي، أن “قوانين نقابة المحامين السوريين لا تسمح لأعضائها بالترافع
المجاني عن المعتقلين”، ويضيف: “لذلك نحاول تقاضي مبالغ بسيطة لقاء
دفاعنا عن المعتقل، ومع ذلك ينعكس الأمر علينا سلباً في مرات كثيرة، عندما يشيح
أهالي المعتقلين بوجوههم عنا، لاعتقادهم بأن المحامين الذين يطلبون مبالغ مالية
أكبر هم أكثر قدرة على كسب القضية”. شخصياً – يضيف المحامي السوري – تعرضت
لمواقف محرجة، منها إقدام ذوي أحد المعتقلين على عزلي وتوكيل محامٍ آخر، فقط لأنه
طلب منهم مبلغاً مالياً كبيرا”.

ويجد بعض
المحامين طرقاً أخرى للابتزاز من خلال علاقاتهم بـ “اللجان الشعبية”،
التي تقوم غالباً بعمليات الخطف، والقادرة على تلفيق التهم للناس جزافاً، فيقوم
المحامي المتعاون مع هذه اللجان بدور السمسار.
هذا ما حدث مع (وجيه)
الذي اختطف من اللجان الشعبية، وتواصل أحد المحامين مع أهله ليطلب منهم مبلغاً وصل
إلى مليوني ليرة، إذ أخبرهم أنه حضر على جلسات التحقيق مع ابنهم، وهو متورط في
العديد من القضايا، ويمكن أن يتم تحويله للأمن، حيث لا يمكن أن يخرج من هناك، وبعد
مساومات وتوسلات أهل المعتقل، تم تخفيض المبلغ إلى مليون ليرة، استطاعت العائلة
تأمينه (بطلوع الروح)، كما يقول وجيه.

يبدو أن الفساد
يتفاقم إذ يبلغ حدوداً لا يمكن وصفها، وباتت المتاجرة بمصائر البشر وبمشاعرهم، هي
السلوك الذي يتحكم بكل مفاصل حياة السوريين، ورغم أنه لم يكن خافياً على أحد فساد
القضاة والمؤسسة القضائية في نظام الأسد، لكن الحال اليوم تبدو في أسوأ صورة!

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *