عمر قدور
ليس جديداً أن يتحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إستراتيجية بعيدة المدى للتصدي لداعش، فقد سبق لإدارة جورج دبليو بوش أن تحدثت عن إستراتيجية مماثلة للقضاء على الإرهاب، وسبق لغالبية حكومات المنطقة أن انهمكت في تعاون استخباراتي مع السي آي إي للتضييق على إرهابيي القاعدة، ووضع الإسلاميين المتشددين عموماً تحت المجهر. بعد مرور أكثر من عقد، وبعد إلقاء اللوم على إدارة بوش بسبب فشلها في حربها على الإرهاب، يتضح أكثر من أي وقت مضى أن الخيارات التي اعتُمدت حتى الآن لم تحقق الغرض المطلوب، وأكثر من ذلك برز تنظيم داعش كلاعب جديد في مواجهة اللاعبين القدامى الفاشلين.
الخيار الفوري الذي لجأ إليه أوباما هو ضرب داعش من الجو، وكما هو معلوم كانت الضربات الجوية هي الخيار الوحيد الذي اعتمده سابقاً في أفغانستان وباكستان، ورُوّج له بصفته الأكثر نجاعة والأقل كلفة على أرواح الأميركيين. الآن أيضاً، يبدو خيار الضربات الجوية هو المفضّل لدى أوباما، وبحيث تكون الإستراتيجية الجديدة استكمالاً له. أي أن الإدارة لا تنوي التورّط في الأرض، الخيار الذي طالما انتقدت بسببه إدارة سلفه جورج بوش. لقد كان أوباما واضحاً في رفض التورط على الأرض العراقية عندما تقدم داعش، وأي تراجع عن حزمه في شأن عدم الزجّ بالجنود الأميركيين على الأرض سيُعَدّ ضربة لأهم الأسس التي نال عليها ثقة ناخبيه، الناقمين أصلاً على سياسة سلفه.
اللاعبون المحليون يدركون نقطة ضعف أوباما، ويتهيأون للمناورة ضمنها. فحاجة الإدارة الأمريكية إلى شركاء على الأرض تدفع مختلف الفرقاء إلى الحصول على مقاولة التصدي لداعش، أو الحصول على نسبة ما من المقاولة. الخوف ليس العامل الأهم هنا، مثلما كان الأمر مع إدارة بوش حيث انخرط البعض في حربها على الإرهاب خوفاً من العقاب. وإذا كان الخوف دافعاً لدى بعض الجهات المحلية، فهذه المرة هو الخوف من داعش لا من أميركا. ذلك ما نلحظه لدى دول خليجية تخشى أن يتهدد استقرارها ببقاء داعش وتمددها، وهذا ما يُفهم أيضاً من تهديدات حسن نصرالله الذي أشار مباشرة إلى المملكة السعودية عندما تحدث عن خطر داعش.
ثمة عروض فوق الطاولة، وأخرى تحتها، للمشاركة في المقاولة. هذا التنافس الإقليمي ينبغي أولاً ألا يخفي حقيقة فشل جميع المتنافسين في التصدي لداعش. فالمحور الإيراني الذي أدار المعركة بدءاً من العراق وصولاً إلى لبنان كانت له يد طولى في بروز داعش، وأغلب التقديرات تشير إلى أن إيران وحلفاءها لم يقدّروا حجم وقوة المارد الذين ساهموا في إطلاقه من القمقم. دول الخليج كانت لها مساهمتها النشطة أيضاً، فقسم منها شجّع وغضّ البصر عن تمويل الإسلاميين المتطرفين في سوريا ومن ثم العراق، على حساب المعتدلين، وقسم آخر بدأ محاربة الإسلاميين من البوابة التي باتت تُعدّ معتدلة نسبياً، أي إخوان مصر وحزب العدالة التركي. الانقسام الخليجي حول مواجهة النفوذ الإيراني ليس بأقل أثراً، فهو كاد قبل وقت قريب أن يطيح مجلس التعاون الخليجي برمته، وعدم الاتفاق على وجود خطر إيراني والتصدي له يستكمل الانقسام حول الإسلاميين في لوحة معقدة لا يندر أن تطغى فيها الثارات البينية على ما عداها.
من جهتها، تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تسعى إلى تحالف يضم الفاشلين جميعاً، وفي مقدمهم الإدارة نفسها التي لا تُظهر أدنى رغبة في مراجعة عميقة لمجمل سياساتها في المنطقة. الحق أن الإدارة في ورطة كبيرة، فلا تدخل سابقتها المفرط أوصل إلى نتائج جيدة ولا نأيها بنفسها أعطى مردوداً أفضل، ولا خيارات جاهزة أمامها سوى التحالف مع فاشلين مثلها. فداعش، في جانب مهم منه، هو إثبات لفشل جميع صانعي السياسة في المنطقة، محليين كانوا أو دوليين. وأولئك جميعاً أثبتوا فشلهم الذريع من خلال تعاطيهم البائس مع زلزال التغيير في المنطقة، وأكبر فشل لهم هو عدم انحيازهم إلى التيار الديمقراطي الصاعد قبل ما يقرب من الأربع سنوات. ما لم يفهمه هؤلاء، أو لا يريدون فهمه حتى الآن، أن من طبع حركات التغيير الكبرى استفزاز جميع قوى الماضي لمواجهتها، وحينها يكون دعاة الاستقرار والحفاظ على الأمر الواقع أول الخاسرين. بل لعل ما حدث خلال هذه المدة يذكّرنا باستهلال رواية “تحالف الأغبياء” لجون كينيدي تقول: تعرف العبقري الأصيل لحظة ظهوره في العالم بهذه العلامة: الأغبياء جميعاً يتحالفون ضده.
قد يتمكن تحالف الفاشلين القدامى من الانتصار على داعش، أسوة بما بدا أنه انتصار على القاعدة قبل سنوات، غير أن أولئك لن يقضوا حقاً على داعش، ولن يصنعوا تاريخاً جديداً للمنطقة، لأن الجديد تصنعه في النهاية القوى الناهضة لا تلك التي تستمد شرعيتها من كونها الأقل سوءاً.
نقلا عن جريدة المدن الالكترونية
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث