الرئيسية / رأي / مسؤولية تضييع فرص الانتصار في مسار الثورة

مسؤولية تضييع فرص الانتصار في مسار الثورة

نبيل شبيب

قبل لقاء الرياض ومفاوضات جنيف ٣، شهد مسار الثورة الشعبية في سورية فرصا عديدة للعودة بها إلى جوهر منطلقاتها الأولى التي تبيح تسميتها “شعبية”. كما شهد فرصة أخرى مع انطلاق المفاوضات وإعلان الهيئة العامة والوفد المنبثق عنها التشبث بالثوابت والأهداف الكبرى للثورة. ولم تجد تلك الفرص جميعا من يستثمرها ويستفيد منها كما ينبغي، من الثوار والسياسيين والمفكرين والمناصرين الداعمين. ولا ينبغي أن يتكرر ذلك الآن بعد تعليق المشاركة في المفاوضات، وهو ما يتيح فرصة قد تكون الأخيرة أمام “الأحياء من العاملين للثورة حاليا”، للعودة إلى جوهر منطلقات الثورة الشعبية، وإيجاد ما ينقص مسارها من شروط ومعطيات لتسريع الوصول إلى هدف التحرر والكرامة رغم القيود والضغوط ‎الدولية ورغم إجرام بقايا النظام وحلفائه.

هل نحتاج إلى تعداد تلك الشروط والمعطيات؟

تعدادها يعني الغفلة عن الدماء والآلام التي تتدفق وتزداد أثناء تكرارنا المتواصل لما نذكره جميعا منذ مطلع الثورة، بدءا بوحدة الصفوف على القواسم المشتركة حاليا بدلا من الأهداف التفصيلية الصالحة للتنافس مستقبلا، انتهاء بالعمل على أساس التخصصات الحقيقية والكفاءات النزيهة وتكامل جهودها على طريق العطاء.

هي شروط ومعطيات ذاتية، تفرض نفسها على أرض الواقع عندما نصنعها بأنفسنا، ولا يوجد مانع من ذلك أكبر من “أنفسنا”.

بدلا من ذلك يتكرر ما سبق أن ثبتت استحالة تحقيقه مرارا، أو على الأقل استحالة “التلاقي والوحدة” على محوره، ويدور جلّه حول محاولات بعضنا فرض ما يراه على سواه، ومحاولات بعضنا الآخر تلبية مطالب تعجيزية، أجنبية خارجية، لكسب تأييد دولي أو إقليمي.

إن انتصار الثورة في نهاية المطاف أمر حتمي وفق السنن التاريخية ومسار التغيير الحالي نفسه، إنما لا ينفي ذلك أن “إخفاقنا” نحن، أي إخفاق جميع من يقولون إنهم يحملون همّ الثورة حيثما كانت مواقعهم إخفاق كبير، ويتمثل في عدم الوصول “حتى الآن” إلى تلك الأهداف رغم عطاء شعبي متواصل وصمود شعبي مذهل وفرصة تاريخية غير مسبوقة، وما أغرب أن نتساءل علام لا يؤثر ذلك كله في قوى متغطرسة ولا نتساءل علام لا يؤثر في أساليب عملنا وطرائق تفكيرنا عبر خمسة أعوام مضت!

إننا نخاطر في أن يستمرّ هذا الإخفاق الذاتي زمنا طويلا، وفي أن نشارك جميعا في المسؤولية عن إثم استمرار دفع الثمن يوما بعد يوم وعاما بعد عام.

السبب الرئيسي من وراء هذا الإخفاق الذاتي الكبير كامن في عدم إعطاء فرص إيجاد شروط النصر ومعطياته حقها من الصدق في النية والعمل ومن الصواب في الأسلوب والوسيلة.

والثورة وسيلة لهدف.. وسيلة لتحقيق الحرية والكرامة والعدالة، أي الأهداف الشعبية المشروعة الإنسانية التي انطلقت الثورة من أجلها، وهي عينها التي يقرّها الإسلام لمن ينطلقون من الإسلام وقد زوّر بعضهم راياته وأساء لمقولاته، وهي عينها مما يقرّه القانون الدولي بنصوصه بغض النظر عن التحريف في تطبيقها، لمن ينطلقون من مزاعم الحرية والإنسانية على أرضية دولية..

يستحيل أن تنتصر الثورة دون أن تتوافر في مسارها شروط النصر ومعطياته، حتى وإن أسقط الثوار بقايا نظام، وصدّوا إجرام عدوان بعد عدوان، فمن يعجز أثناء الثورة عن رؤية القواسم المشتركة في المسارات السياسية والميدانية والفكرية والتقنينية ويعجز عن الالتزام بتلك المشتركات لتوحيد الصفوف ومخططات العمل، ويعجز عن تقديم التخصصات على العشوائية والكفاءات النزيهة على التسلط وإن لبس لباس “الإخلاص”، فمن المستحيل أن يكون “المنتصر” المناسب لحمل أعباء مرحلة البناء والنهوض، بعد إسقاط بقايا النظام المحلي وصد إجرام العدوان الخارجي.

ليس النصر المطلوب مجرد رفع راية، أية راية، فوق قصر أو كوخ أو خيمة أو قلعة، إنما هو النصر المشروط بالقدرة على العمل بمقتضاها وجمع الناس حولها وهم مطمئنون على أنفسهم وحقوقهم.. وإلا فما هو الفرق بين ما قبل الاستبداد الفاسد وأفاعيله، وما بعد إسقاطه عبر الثورة؟

المسؤولية الآن على الثوار الميدانيين سواء في ذلك من شارك في المفاوضات أو أيدها أو عارضها..

والمسؤولية الآن على الساسة السوريين سواء في ذلك من دخل أروقة جنيف أو نأى بنفسه عنها..

والمسؤولية الآن مسؤولية العلماء والمفكرين وأصحاب التخصصات في ميادين التخطيط والتطوير والتقنين وأمثالهم، ومسؤولية كل ذي تأثير مادي أو معنوي على مسار الثورة..

هي المسؤولية المباشرة ألا يتكرر الإخفاق فيطول أمد المعاناة، وهذا مشروط بألا تضيع الفرصة الحالية عقب تعليق المفاوضات، فإن ضاعت فهي أيضا المسؤولية عن زيادة فداحة الثمن الذي يدفعه الإنسان في سورية ومن ورائه الإنسان في عالمنا وعصرنا.

أول المداخل للإخفاق حاليا هو تدافع المسؤولية.. وأسوؤها اعتقال انتصار الثورة وراء قضبان أنانيات الرؤى الذاتية للأهداف.. وأخطر منزلق للإخفاق ألا نستشعر ما تعنيه مقولة “الزمن كالسيف إن لم تقطع به قطعك”.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *