سامر كعكرلي
أطلق شباب وصبايا من محافظة السويداء منذ أسابيع حملة أسموها “حطمتونا”، وقد كانت واجهتها المعلنة عبارة عن مطالب معيشية، إلا أنها في الحقيقة حملة ثورية تنادي بالكرامة والحرية، وتواكب الثورة السورية التي نادت بتلك المطالب منذ عام 2011. لكن، وفي تكرار غريب للحلول الفاشلة التي يتبعها النظام في مواجهة تلك الحملات، سارع النظام فوراً لاتخاذ بعض القرارات التي لا يمكن وصفها إلا بالقرارات العقيمة غير المجدية.
كان من بين تلك القرارات التي تم اتخاذها لمجابهة حملة الكرامة في السويداء “حملة حطمتونا”، إعلان المؤسسة العامة للخزن والتسويق على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي “الفيس بوك”، بأن “فرع المؤسسة بالسويداء قد افتتح خيمة تسويق للمواد الغذائية وبعض أنواع الخضار والفواكه، بهدف توفيرها للموطنين بأسعار تقل عن أسعار الأسواق”. وأضاف الموقع بأن “الخيمة ستستمر لمدة أسبوع قابل للتمديد، وستتوفر فيها تشكيلة متنوعة من المواد التي تم وضع أسعارها بعد إجراء سبر للأسعار الموجودة في الأسواق. وإن الخيمة تستقبل المواطنين يومياً من الساعة الثامنة صباحاُ وحتى الساعة الثامنة مساءً”.
لم تحقق المؤسسة العامة للخزن والتسويق منذ إحداثها عام 2000، الغاية المرجوة منها، بل تعثر العمل فيها منذ انطلاقها بسبب الفساد الذي استشرى فوراً في مفاصلها، وما زالت تتخبط حتى الآن.
وقبل مناقشة قرار المؤسسة المذكورة ومدى جدواه من ناحية انعكاساته الإيجابية على الحياة الاجتماعية للمواطنين في السويداء، لا بد أولاً من التعريف بتلك المؤسسة:
المؤسسة العامة للخزن والتسويق وهي مؤسسة قطاع عام ذات شخصية اعتبارية، وذات طابع اقتصادي. أُحدثت بموجب المرسوم /534/ لعام 2000، تحت اسم المؤسسة العامة لخزن وتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية، ونص مرسوم إحداثها على أن مهامها تنحصر بما يلي:
– تسويق المنتجات الزراعية والحيوانية داخلياً وخارجياً.
– التخزين بشقيه المبرد والعادي، لصالح المؤسسة وللغير.
– النقل بشقيه المبرد والعادي، لصالح المؤسسة وللغير.
وتمتلك المؤسسة حوالي 500 صالة بيع بالمفرق، و60 مركز بيع بالجملة، منتشرة في كافة المحافظات السورية. كما تمتلك المؤسسة مسلخاً فنياً بطاقة إنتاجية تقدر بــ 6000 رأس يومياً، إضافة لمركز لتوضيب اللحوم وفرزها وتبريدها. وتعتبر هذه المؤسسة وريثة المؤسسة العامة الاستهلاكية صاحبة السمعة السيئة التي توالت خساراتها على مدار سنوات.
لم تحقق هذه المؤسسة منذ إحداثها، الغاية المرجوة منها، بل تعثر العمل فيها في بداية انطلاقها بسبب الفساد الذي استشرى فوراً في مفاصلها، حتى تم اتخاذ القرار بتعهيد صالاتها إلى مدراء الصالات، وهو ما أُطلق عليه حينها مصطلح “الإدارة بالأهداف”؛ أي أن مدير الصالة والعاملين فيها أصبحوا أصحاب القرار ضمن صالاتهم، حول ما يتسوقون به ويبيعونه، وبالأسعار التي تناسب تلك المبيعات. بمعنى أخر، أصبح مدراء الصالات متعهدين لها، وليسوا موظفين في المؤسسة. ولا بد من الإشارة إلى أن كافة السلع التي تتعامل بها المؤسسة هي سلع غذائية نباتية وحيوانية، منتجة محلياً أو مستوردة، كالشاي والبن وبعض الزيوت النباتية.
أما من الناحية الاقتصادية، فتعتبر تلك المؤسسة من المؤسسات التجارية التابعة للدولة. ومعنى “التجارية” أنها ليست مؤسسة خدمية، أي أنها قابلة للربح والخسارة. وكدليل على ذلك نعود لأحد تصريحات المؤسسة على موقعها الرسمي في شبكة الإنترنت في العام الماضي، والذي قال: “نفذ فرع المؤسسة العامة للخزن والتسويق في حمص خطته المقررة للعام الماضي، وتجاوز الأرقام المحددة بالخطة. وأفاد مدير الفرع أن قيمة المبيعات بلغت ملياراً و500 مليون ليرة سورية، من أصل الخطة المقررة والبالغة 3,31 ملايين ل.س، أي بنسبة تنفيذ 400%. أما المشتريات فقد بلغت ملياراً و200 مليون ليرة سورية من أصل الخطة المقررة والبالغة 250 مليون ليرة سورية، أي بنسبة تفوق 400%. رغم أن فرع المؤسسة في حمص تضرر كثيرا خلال الأحداث التي شهدتها المدينة”. واللافت في هذا الخبر هو الفرق ما بين مشتريات فرع حمص ومبيعاته، حيث نجد أن الفارق، وهو عملياً الربح الإجمالي، قد بلغ 300 مليون ليرة سورية. أي أن نسبة الربح قد بلغت 25%. هذه النسبة في الربح تناقض تماماً نص قرار وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك رقم /1585/ لعام 2013، والذي حدد هوامش الربح للمواد الغذائية (وهي نفس مواد بيع وشراء المؤسسة) بنسبة تتراوح ما بين 2% كحد أدنى و12% كحد أعلى. أي أن المؤسسة خالفت قرار وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التي تتبع لها.
بلغت نسبة ربح فرع المؤسسة في حمص، بحسب الموقع الرسمي لها العام الماضي، 25%. وهو ما يناقض تماماً نص قرار وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك رقم /1585/ لعام 2013، والذي حدد 12% كحد أعلى لهوامش الربح.
أما في محافظة السويداء، والتي تعتبر من المحافظات الصغيرة في سوريا، حيث يبلغ عدد سكانها حسب المكتب المركزي للإحصاء 365 ألف نسمة (مدينة وريف)، فإن للمؤسسة العامة للخزن والتسويق خمس صالات بيع مباشر للمواطنين، هي: صالة المدينة، صالة تشرين، صالة النجمة، صالة 8 آذار، وصالة المزرعة، إضافة لمركز جملة واحد. أي أن متوسط عدد زبائن كلٍ منها يومياً لا يتجاوز 200 زبون (إذا اعتبرنا بأن أهل الريف سيشترون حاجاتهم من صالات المدينة).
المشكلة في السويداء إذا، كما في كافة المحافظات السورية، ليست في عدم كفاية منافذ البيع أو عدم كفاية السلع، بل إن العكس صحيح؛ إذ أن السلع الغذائية، وعلى مدار أيام الثورة السورية، كانت متوفرة وبكميات كبيرة، في كافة المدن والبلدات السورية (باستثناء تلك المحاصرة من قبل قوات النظام وميليشياته). وبالتالي فإن قرار المؤسسة العامة للخزن والتسويق القاضي بفتح منفذ تسويقي جديد في محافظة السويداء لامتصاص حالة غضب أهالي المدينة بسبب الحالة المعيشية، هو قرار اعتباطي صادر عمن لا يريد أن يرى الأسباب الحقيقية للازمة المعيشية التي يعاني منها كافة السوريين بسبب الحرب التي تجاوز عمرها الخمس سنوات.
وفي هذا المقام قد يقول من يتبنى وجهات نظر النظام ويؤيدها على حاسب شعبه، بأن المؤسسة تطرح السلع الغذائية بأسعار منخفضة لتخفيف أعباء الأزمة الاقتصادية على المواطنين. لهؤلاء نقول بأننا إذا عدنا لآخر نشرة أسعار أصدرتها المؤسسة في موقعها، وهي نشرة أسعار يوم 17/5/2015، وقمنا بمقارنة تلك الأسعار مع الأسعار التي تم رصدها في الأسواق من قبل الناشطين السوريين ولنفس الفترة، سنجد أن لا فرق كبير بين أسعار المؤسسة وأسعار الأسواق، لا بل كانت أسعار المؤسسة لبعض المواد أعلى من أسعار الأسواق. وعلى سبيل المثال فقط، بلغ سعر كيلو الغرام الواحد من لحمة الخاروف (مسوف) حسب نشرة المؤسسة بتاريخ 17/5/2015، 1850 ليرة سورية، بينما بلغ سعر نفس المادة حسب الأسعار المرصودة من قبل الناشطين بنفس الفترة 1800 ليرة سورية. وهذا أمر طبيعي بالنسبة لمؤسسة تم تحويلها لمؤسسة تجارية مطلوب منها الربح، بعد أن أصبح مدراء صالاتها متعهدين لصالاتهم لا موظفين في المؤسسة، همهم الأول والأخير هو تحقيق الأرباح بكل الوسائل، إذ يتم تغيير أي مدير لا يحقق ربحاً في صالته، مما حوّل صالات المؤسسة إلى منافذ تسويقية مثلها مثل كل منافذ القطاع الخاص. وحتى إن كان هناك بعض الانخفاض بأسعار تلك الصالات، فإن هذا الانخفاض لا يشكل بحال من الأحوال فارقاً كبيراً في مستوى المعيشة المتدهور الذي وصل إليه المواطن السوري.
حوّل النظام المؤسسة العامة للخزن والتسويق لمؤسسة تجارية مطلوب منها الربح، بعد أن أصبح مدراء صالاتها متعهدين لصالاتهم لا موظفين فيها، مما حوّل صالات المؤسسة إلى منافذ تسويقية مثلها مثل كل منافذ القطاع الخاص.
وبالتالي فإن قرار المؤسسة هذا لم يكن سوى وسيلة من وسائل النظام التقليدية لحرف الأنظار عن الغرض الحقيقي لحملة “حطمتونا”، والذي ينحصر في الكرامة لا في الجوع. وذلك يؤكد أن النظام بكل مؤسساته، ما زال يتعامل مع الثورة السورية كما تعامل بها منذ اللحظات الأولى لانطلاقها؛ على أنها ثورة مطالب لتحسين الحالة المعيشية. وكأنه لا يسمع أو لا يريد أن يسمع شباب السويداء الذين هتفوا للكرامة في حملتهم “حطمتونا”، قبل أن يهتفوا لأي شيء آخر، كما حاول أزلامه وشبيحته محو اسم “ساحة الكرامة”، الاسم الجديد الذي أطلقه شباب السويداء على الساحة الرئيسية في مدينتهم، بعد أن أزالوا منها صنم الطاغية الذي جثا على صدورهم لأعوام طويلة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث