عبد
القادر عبد اللي
خسر
حزبا المعارضة التركية الرئيسيان، والأحزاب الداعمة الأخرى، أمام حزب العدالة
والتنمية تسعة انتخابات متتالية، بين عامة ومحلية ورئاسية، محطمة رقماً قياسياً. وعلى
الرغم من هذه الخسائر المتتالية، دائماً يعلنانأنهما على صواب، ولا يغيران سياستهما
وأسلوبها في التعامل. هذا التشدد في الموقف أدخل اليأس إلى نفوس القواعد الشعبية،
وزاد من الاحتقان، وأصبح الناس عموماً، إما مع هذا الطرف أو ذاك، ولم يعد ثمة لون
رمادي.
وما
زاد الطين بِلّة على المعارضة التركية أنها كانت تعلّق آمالاً كبرى على انقسام “العدالة
والتنمية”، وخاصة إبان الانتخابات الرئاسية، وذهاب الزعيم الذي يُربط النجاح
كله بشخصه أكثر مما يُربط بحزبه. لكن الذي حدث أن العكس قد تم، ودب الانقسام في صفوف
حزب الشعب الجمهوري مما زاد التأزم.
بماذا
تنعكس علينا نحن السوريين هذه الأزمة السياسية في تركيا؟ إننا ندفع ثمنها مضاعفاً،
ودماً في كثير من الأحيان.
لن
أقول إننا أنبياء، فمثلنا مثل كل شعب فيه اللص والمجرم والفاسد والمتعجرف، وطبعاً
الطيب والجيد. لا مجال للسؤال عن أي الشريحتين أكبر، فالطيبون بالتأكيد هم
الأغلبية كما شعوب العالم كلها،ولكن السيئ هو الذي يبرز على الساحة. منذ بدء مجيء
السوريين إلى تركيا، بدأت المشاكل معهم، وصحيح أن الأحداث التي كانت تستهدف
السوريين بغالبيتها مدبرة، وينظمها شبيحة محليون وسوريون، ولكن الوضع تفاقم أكثر
فيما بعد، ومع يأس كثير من السوريين بالعودة إلى بلدهم
أصبحوا أكثر توتراً، وعدوانية، وهذا ما يزيد الكره لهم والحقد عليهم. ولكن المشكلة
أن من يدفع الثمن عموماً هم أولئك الطيبون المسالمون الذين ينطبق عليهم المثل
العربي القائل: “يمشي الحيط الحيط ويقول يا رب السترة”. فالمجرم أو اللص
أو المسيء يرتكب حماقته، ويهرب، ويدفع الباقون الثمن.
هاتان
الحالتان، يأس المعارضة التركية، ويأس المواطنين السوريين تزيدان من الاحتقان. ولعل
الثمن لن يقف عند هذه الحدود.
باختصار،
لم يسمع أحد باعتداءات منظمة على أنصار حزب العدالة والتنمية. أليس هؤلاء من
يهزمون المعارضة، ويمرغون أنفها في التراب؟ نعم، حدثت بعض “المشاجرات”
التي لم تؤدِ إلى إصابات خطيرة فعلية عند باب مركز انتخابي أو مركز دعاية
انتخابية، ولكن هذا الأمر سرعان ما ينتهي، وتغلق القضية.
لحزبي
المعارضة الرئيسين تاريخ طويل من العنف الداخلي، ولكنهما على الرغم من هذه الخسائر
كلها لم يوجها عنفهما المنظم نحو أنصار العدالة والتنمية، بل نحو السوريين، أليس
حزب العدالة والتنمية هو الخصم، وهو الحائط المسدود الذي تصطدم فيه المعارضة في كل
مرة تخوض فيها استحقاقاً انتخابياً؟ إن السوريين بحكم الثقافة والتربية
الديكتاتورية على مدى أكثر من خمسين عاماً هم بشكل تلقائي مع الزعيم الحاكم. وأؤكد
أنهم أرضوغانيون وليسوا مع حزب العدالة والتنمية، فثقافتنا الدكتاتورية تجعلنا
نعبد الفرد، مهما اختلف هذا الفرد، أسداً كان أم بغدادياً أم غيره… وهكذا يعتقد
كثيرٌ منهم أن هذه تركيا أرضوغان على غرار سورية الأسد، ويبلغ مبلغ شبيحة الثورة
بأن يعتبروا السوري الذي يقيم علاقة معالمعارضة تركية شبيحاً أسدياً. وهكذا أدخل
السوريون أنفسهم في صراع آخر فوق صراعاتهم الكثيرة التي يبدو أن موهبتهم الأكبر
تكمن باستجلابها.
لقد
بات السوريون حلقة أضعف في هذا الصراع. وأحزاب المعارضة التركية لا تستطيع التهجم
على حزب العدالة والتنمية وأنصاره، فيجدون في السوريين حائطاً واطئاً يسهل القفز
عليه، والمبررات كثيرة، وحتى إنها حاضرة، فهل يمكن أن نجد مجتمعاً دون لص أو قاتل؟
لن يكون اسمه مجتمعاً فيما لو خلا من اللصوص والمجرمين. لا بأس أن نرفع أصواتنا
تجاه أخوتنا السوريين لننتقدهم بطريقة لباسهم وحديثهم: (بالمناسبة، بجوار بيتي
يخرج رجل كل يوم من بيته،ويحدّث امرأة على الهاتف بصوت يسمعه الذين في الطابق
السادس بغزل بلدي سوري نموذجي مطعّم بالشتائم والكلمات البذيئة، وأثناء الحديث
يلوح بذراعه الأخرى، وأعتقد أنني سآكل ذات يوم قتلة بسببه، طبعاً ثمة أتراك
يتكلمون هكذا، ولكن لمرة واحدة عرضية، وليس يومياً)، ولكن ليس بطريقة جلد الذات،
واعتبار أن السوريين وحدهم هم المذنبون.
القضية
باختصار أن المعارضة التركية ينطبق عليها المثل العربي الذي يقول: “لم تستطع
على الحمار، فضربت البردعة” فتصرفات السوريين وحدها ليست السبب المباشرة
للعدوان عليهم، بل هي أزمة المعارضة التركية، وسنبقى على هذا النحو، وليس هناك من
هو محصّن من هذه الأمور، فنحن البردعة التي ضربها أسهل، ويمكن للمعارض التركي أن
يجد ألف ذريعة وذريعة ليُفرغ حنقه بهذه البردعة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث