الرئيسية / سياسي / سياسة / تقارير / ما وراء السقوط العسكري للمليحة؟

ما وراء السقوط العسكري للمليحة؟

هيثم
السرياني

تعتبر
الغوطة الشرقية بريف دمشق من المناطق الاستراتيجية الهامة للمعارضة والنظام على حد
سواء، فهي تشكل تشكل امتدادا جغرافيا واسعا متاخم للعاصمة من الجهة الشرقية،والتقدم
باتجاه دمشق لا يمكن أن يكون إلا انطلاقاً منها،بالإضافة لإطلالها على مدخلين
رئيسيين لدمشق: وهما طريق المطار جنوبا،وطريق حلب شمالا،وعلى مطار دمشق الدولي
الذي يقع إلى الجنوب الشرقي منها،كما تشكل “ظهراً” آمنا لكل من جوبر والقابون.

لذلك
فإن أي معركة تدور على محيطها تكون ذات أهمية كبيرة للطرفين ونتيجتها مفصلية
للطرفين، لا يمكننا النظر لسقوط بلدة المليحة ذات الموقع الهام جداعلى أنه خسارة
عادية لمعركة من ضمن هذه الحرب، أو الاكتفاء بإلقاء اللوم على التقصير في الدعم
اللوجستي بشكل عام،على غرار ما حدث في القصير مثلاً،وإنما يجدر بنا النظر أبعد من
ذلك .

يتواجد
داخل الغوطة الفصائل الكبرى التالية: “جيش الاسلام وفيلق الرحمن والاتحاد الإسلامي
لأجناد الشام”التي تعتبر الغوطة مركزهم الرئيسي وأكبر تواجد لهم، إضافة إلى “جبهة
النصرة وحركة أحرار الشام” وعدد من الكتائب والألوية المستقلة، كما تضم عدداً
من الفعاليات المدنية والسياسية، أهمها “التجمع الوطني لقوى الثورة وإدارة المجالس المحلية والهيئة الشرعية ودار
القضاء الموحد والمكاتب الموحدة”. ورغم هذا الثقل العسكري والسياسي في الغوطة،حقق
النظام خلال السنة ونصف السنة الماضية انتصارات عدة على محيطها، آخرها استيلاؤه
على بلدة المليحة.

أمام
هذه المعطيات يمكننا تصور حجم الانقسام والخلافات بين هذه الفصائل من جهة، وبينها
وبين الفعاليات السياسية المدنية من جهة أخرى، فرغم كل المحاولات والجهود المبذولة
من قبل الشخصيات والفعاليات الوطنية لتوحيد الصف والكلمة داخل الغوطة لكن سطوة
المال السياسي كانت أقوى من كل هذه الجهود.

ففي
الفترةالممتدة من نيسان 2014 وحتى الآندون التطرق لما سبقها،أي خلال حرب المليحة
فقط، نشب خلاف بين الاتحاد الإسلامي وجيش الإسلام على خلفية اعتقال الأخير للشيخ (أبو
ثابت) والمحسوب على الاتحاد، لم يسفر هذا الخلاف عن قتال حقيقي بين الطرفين، لكنهماأشهرا
أسلحتهما استعدادا للتصعيد قبل أن يسارع عدد من العقلاء لحل الخلاف بأقل الخسائر،
مخلفاً فجوة عميقة بين الفصيلين الكبيرين.

عقب
هذه الحادثة بفترة قصيرة تشكلت “دار القضاء الموحد” والتي صادقت عليها
كل الفصائل والفعاليات عدا “داعش”، لكن سرعان ما مزقته المحسوبيات
والتجاوزات،ما حدا بالشيخ (أبو أحمد عيون)، رئيس مجلس القضاء إلى تعليق عضويته،
وانسحبت “جبهة النصرة” منه لتعود للغناء خارج السرب مجدداً.

إضافة
إلى المعارك التي نشبت بين “جيش الإسلام” و”داعش” والتي انتهت
بتفكك الأخير، وقد كان من الملحوظ تماما، أن ما استخدم ضد “داعش” من
عتاد يفوق بأضعاف ما استخدم في المليحة خلال المعركة كلها، وهذا ما يؤكده الناشط
في منظمة (فريق علاج) العاملة داخل الغوطة، وعضو فريق الدفاع المدني السيد (أ . و)
من زملكا.

ومن
الجدير بالذكرأن العدد الأكبر من نقاط جبهة المليحة، قبل المعركة، كانت من نصيب “فيلق
الرحمن” خاصة بعد انضمام “لواء سعد بن عبادة الخزرجي” بقيادة الحاج
ماهر عكاشة والعامل في البلدة منذ تشكله الفيلق. ومع بدء المعركة انسحب هذا الفيلق
من عدة نقاط لأسباب غير مفهومة لتحل محله حركة أحرار الشام وجبهة النصرة،كما عزز
جيش الإسلام تواجده في الجبهة على حساب فصائل أخرى، منها “الاتحاد الاسلامي”
والفيلق، وبذلك تصدرت”الجبهة الإسلامية”واجهة العمليات العسكرية في
المليحة.

كما
أن الاتحاد الإسلامي أطلق في الفترة نفسهامعركة باتجاه دمشق فشلت بسبب اختراق أمني،
حيث كشف النفق الذي كان مقررا الخروج منه وسط منطقة العباسيين، والالتفاف على قوات
النظام من الخلف. بعد هذا الفشل بفترة قصيرة وأطلقت أيضاً معركة حصار المطار التي
لم تسفر عن شيء حتى الآن .

من
خلال هذا المناخ المشحون بالخلافات المبطنة والصراع على بسط النفوذ والسبق الإعلامي،
يمكننا تصور وضع جبهة المليحة من جهة المعارضة بغياب التنسيق والقيادة الموحدة
والتعاون بين الفصائل، فمن الطبيعي والحالة هذه سقوطها بيد النظام.

ليست
معركة المليحة الوحيدة التي يغيب فيها التنسيق والتعاون ويفشلها التصارع بين
الفصائل؛ فقد تكرر هذا السيناريو في كل المعارك الهامة على محيط الغوطة، ومنها
معركة مطاحن الغزلانية في خريف 2013، حيث لم يدم “تحريرها” سوى أيام عدة
ليعود النظام ويستولي عليها، ومعركة فك الحصار (الله أعلى وأجل ) مطلع 2014 على
جبهة العتيبة والتي منيت بالنتيجةنفسها.

وفي النهاية،
إذا كان الانقسام وعدم التنسيق وصراعات بسط النفوذ هو العنوان العريض لعمل الفصائل
المسلحة داخل الغوطة وعلى كامل التراب السوري،يبقى السؤال: إلى أين تسير الأحداث،
نحو التقسيم، أم تقاسم السلطة، أم نحو حرب أهلية طويلة الأمد؟

ضمن
هذا التعقيد الذي يحيط بالمسألة السورية، تبقى الآفاق مفتوحة على كل الاحتمالات،
وقد يكون ما خفي أعظم وأظلم.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *