الرقة – نزار محمد
أثّرت
الأحداث الدامية التي شهدتها سوريا، ولاتزال، بشكل كبير على كلّ مفاصل الحياة
العامة للسوريين، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، ولعل القطاع الذي ناله
الضرر الكبير كان قطاع التعليم بمستوياته كافة، إذ خرج مئات آلاف الطلاب من
مدارسهم وجامعاتهم، والكثير منهم تشرّدوا في مغارب الأرض ومشارقها، إما نزوحاً أو
لجوءاً، مما حرمهم من حقهم في إكمال تعليمهم، بينما دُمّرت آلاف المدارس، واستُخدم
بعضُها كمأوى للعائلات النازحة، وتضرر العديد من الجامعات.
وقد
تفاوت حجم الضرر الذي لحق بقطاع التعليم، تبعاً للعامل الأمني، والمعارك
والاشتباكات الجارية وسخونتها، بين منطقة وأخرى، حيث تعطلت الدراسة في الكثير من
المناطق بشكل كامل أو جزئي.
وفي
موازاة ذلك يتخوّف طلاب كثيرون في مدينة الرقة من متابعة دراستهم الجامعيّة، بسبب
التشديد الأمني من تنظيم “داعش” الذي يسيطر على المدينة بشكل كامل، إذ
يمنع التنظيم طلاب المدينة من السفر خارج الرقة، ولاسيما اختصاصات (الحقوق وعلم
الاجتماع والفلسفة).
المكوث
بالمنزل بانتظار الفرج
يقول
الطالب الجامعي (حسن. ج) لـ “صدى الشام”: “لقد أصبح الشاب في هذه
المدينة مثل الفتاة، التي تعوّدت ألا تغادر المنزل، بانتظار فرج قريب.. لقد مللنا
من بعضنا، أنا وبعض رفاقي ممن التقيهم كلّ يوم، ولا شيء جديد في الحديث، فمقوّمات
الحياة مفقودة، والدراسة توقّفت كليّا”.
أما
الطالبة (هبة) فتقول: إنّ “الدراسة في جامعة حلب أصبحت تكلّف الطالب الجامعي
نصف راتب والده، في حال كان موظّفاً”، وتضيف لـ “صدى الشام”، “رغم
التكاليف الكثيرة وغلاء السلع الغذائيّة والنقل، فحتّى المقتدر ماديّاً على مواصلة
دراسته غير مرتاح نفسيّاً بالمعيشة، إذ سينشغل بالماء والكهرباء بدل الانشغال بالتحضير
للامتحان”.
“لا
يداوم في جامعة حلب اليوم إلّا الفتيات، أمّا الطلبة الشباب فيلاحظ أنّ نسبة كبيرة
منهم قد ترك الدراسة، وجلس في منزله، ولاسيما أنّ معظم الطلبة المسجّلين بجامعة حلب
هم من الريف الحلبي وإدلب والرقة، وبعض المناطق والمحافظات الأخرى، بينما يشكل الذهاب
إلى حلب تحدياً حقيقياً لهؤلاء، بسبب الوضع الأمني”. هذا ما يقوله الكثير من
أبناء حلب اليوم، بينما يرى آخرون، أنّ “التشديد الأمني من كتائب البعث
الموجودة عند مدخل كلّ قسم بجامعة حلب، والتفتيش على الهويّات، هي من الأسباب التي
تمنع بعض الطلبة من مغادرة الجامعة ممن كان داخل حرمها، فمنذ نحو أسبوعين، اعتقلت
كتائب البعث ثمانية طلبة من ريف حلب الشرقي، دون أيّ سبب يذكر”.
“داعش”
والطلبة
أما
تنظيم “داعش” الذي يسيطر على الرقة ويتمدد، فينتاب عناصره الجنون، عندما يشاهدون طلّاباً
جامعيين، يستقلّون إحدى حافلات النقل، ولاسيما إذا كان هؤلاء الطلاب يدرسون فروعاً
تعارض مع “مبادئهم وعقيدتهم”، مثل الحقوق والفلسفة وعلم الاجتماع.
وقد
أعلن تنظيم “داعش” يوم الأحد الماضي عن منعه لطلّاب الشهادة الثانوية،
وطلاب الجامعات مغادرة الرقة، ولاسيما أنّ موعد تقديم الدورة التكميليّة لطلاب
الشهادة الثانوية والدورة الإضافيّة لطلاب الجامعات، قد اقترب.
يقول
الطالب الجامعي (فادي): “أنا ابن مدينة الرقة، وأدرس في كلية الحقوق بدير
الزور منذ أكثر من أربع سنوات، ولم يبقَ عليّ غير بعض المواد حتّى أنهي دراستي،
فكيف لي أن أتوقّف وأضيّع على نفسي تعب السنوات السابقة”؟! ويضيف:
“عندما دخلت فرع الحقوق لم يكن هنالك ما يسمى “الدولة الإسلاميّة”،
فهل أحكام الشريعة الإسلاميّة، توجب عقابنا على دراستنا، وهل نحن كفّار، كما
يصفوننا، ونحن ندرس في الجامعة قبل دخول “داعش” وسيطرته على المدينة؟!”
وكان
تنظيم “داعش” قد أوقف، أواخر الشهر الماضي، أكثر من 20 طالباً يدرسون كلية
الحقوق، فرع دير الزور والحسكة، ومعظمهم من أبناء الرقة وحلب، وذلك عندما كانوا
عائدين من دير الزور والحسكة، وقد أجبرهم التنظيم على الإمضاء على ورقة “استتابة”
كي لا يعيدوا الكرّة، ويذهبوا لتقديم امتحاناتهم مرّة أخرى، في حين نُقل طالبان
منهم إلى “فرع القصاص”، ولم يُعرف مصيرهم حتى الآن.
في
المقابل هناك بعض الطلبة، قد صودرت دفاتر خدمة العلم الخاصة بهم، وكذلك بطاقاتهم
الجامعيّة، كي لا يعاودوا الذهاب إلى مناطق النظام. ويذكر بعض المطّلعين من أبناء
الرقة، أنّ “المشرف على الحاجز الذي يعتقل الطلّاب عند مدخل المدينة هو طالب
جامعي فاشل لم يكمل دراسته، وانضم إلى تنظيم داعش، ويحاول أن ينتقم من زملائه بأية
وسيلة”.
الجدير
بالذكر أنّ مديرة اليونسكو، إيرينا بوكوفا، قالت في وقت سابق: إن “هنالك آلاف
الطلبة السوريين الذين توقّفوا عن إكمال دراساتهم العليا، وسنحاول العمل للاتفاق
مع شركائنا الأوروبيين على برامج من أجل تبادل الطلبة الجامعيين، ومنهم السوريين
بعد أن وصل الشباب السوري إلى مرحلة الخطر، وأصبح مستقبلهم غير واضح”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث