الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / لعنة المستعمر المحلّي

لعنة المستعمر المحلّي

د.
علي حافظ

بعد
انطلاق المظاهرات السلمية في درعا وانتشار رقعتها الجغرافية بشكل سريع ومفاجئ لتصل
إلى جميع أرجاء الوطن، أخذ نظام الأسد يسعى لاحتواء الاحتجاجات عبر إرسال مبعوثيه
المخبرين من أجل اللقاء بوجهاء المناطق ومشايخها ورؤساء عشائرها، أو دعوتهم إلى
مجالس المحافظات، أو إلى مكاتب حزب البعث، أو إلى فروع مخابراته، للاستماع إلى
متطلباتهم وحاجاتهم؛ وبالتالي مساعدته في إيقاف امتداد الثورة والحدّ من زخمها
وكسر إرادة روادها.. هذا دليل واضح على اعترافه الضمني بتأثيراتها الكبيرة على
مكانته وسمعته وحالته المستقرة الراكدة طوال عقود.

الثورة
دقت ناقوس الخطر بالنسبة للنظام، لذلك راحت أجهزته الأمنية والبوليسية وجيوشه
الجرارة وشبيحته تستخدم الرصاص الحي ومختلف أنواع السلاح الخفيف والثقيل ضد هذا
الشعب الثائر؛ غير مفرقة بين صغير وكبير بين امرأة وعجوز؛ ما دفع بعض المتظاهرين
إلى رفع لافتات كتب عليها: «أسوة بالإسرائيليين استخدموا الرصاص المطاطي وليس
الحي»؛ «هنا درعا وليست إسرائيل»؛ «هنا تلبيسة وليست تل أبيب»…!

إن
المجازر التي ارتكبتها وترتكبها قوات الأسد ومن يدعمها من المليشيات الطائفية على
مرأى العالم أجمع، ما هي إلا وصمة عار على جبين عالمنا الصامت النيئ الذي يرضى
بوجود مثل هذه العصابة المجرمة التي لا تقل قسوة وإجراماً وترويعاً عن النازيين
والفاشيين والصهاينة والبول بوتيين، بل قل سبقتهم بمراحل في بربريتها ودمويتها…

أدرك
الشعب السوري مباشرة أن حاكمه لا يختلف عن حكام إسرائيل إلا باللسان، أي باللغة؛
حتى إنه بدا أكثر عنفاً ووحشية بالتعامل مع ثورته السلمية
التي قامت
ضده
من ذاك المحتل وتعامله مع انتفاضتي الفلسطينيين الأولى والثانية!!

أعتقد
أن ما فعله هذا الحاكم ببلادنا وشعبنا، ومن يقطن بلدنا منذ سنين طويلة، لم يفعله
شارون
المعروف
بعنجهيته وصلفه ودمويته
بالفلسطينيين؛
ما دفع رجل من سكان مخيم اليرموك المحاصر إلى القول بألم وحسرة: “رجعونا لعند
اليهود!”.

احتكر
هذا الحاكم وعائلته وبعض المقربين منه السلطة لعقود، ونهبوا ثروات وخيرات البلد،
وأهانوا الناس، واستباحوا كرامتهم، وانتهكوا أعراضهم وحرماتهم، ونفوا معارضيهم
وسجنوهم وعذبوهم حتى الموت، كما لم يفعل الإسرائيليون بسكان فلسطين العرب؛ حتى بدت
مجازر كفر قاسم ودير ياسين وغزة مجرد نزهة بين المجازر التي ارتكبها الأسد، ومازال
يرتكبها حتى هذه اللحظة.. لم يهتم إلا بمصالحه الضيقة وتكديس الأموال في البنوك
الداخلية والخارجية ناظراً إلى شعبه نظرة فوقية استعلائية، حيث لم يصدق حتى الآن
أن الشعب قد استيقظ من نومه العميق وهبّ مدافعاً عن كرامته ومطالباً بحريته
واستقلاله من محتله المحلي الذي يمثله هو وعصاباته، ويعد أكثر خطراً ولعنة ومخاتلة
ودموية من المحتل الأجنبي.. لم يقم دولة، بل أقام مزرعةً محاطةً بألف سياج وسياج،
يحرسها رجال أمن وجيوش وقطعان تشبيحية حبست الناس كقطيع داخلها ولأجل غير
مسمى!

لقد
شرّد الناس في كل المناطق الثائرة، وحاربهم بلقمة عيشهم، وطاردهم من مكان إلى مكان
كيلا تكون للثورة حاضنة وقبول، ما دفع أغلبهم إلى النزوح، حتى بلغ عدد السوريين
الهاربين والنازحين قسراً داخل بلدهم وخارجه أكثر من
10 ملايين؛
في حين استقطبت إسرائيل المهاجرين اليهود من جميع أنحاء العالم، واستطاعت دمجهم في
مجتمع واحد رغم اختلافهم باللغة والتاريخ والتربية والعادات والتقاليد، مؤمنة لهم
المسكن والتعليم والعمل، بينما لم يستطع النظام السوري أن يوفق بين أفراد مجتمعه
الواحد، ويؤمن لهم الأمن والاستقرار والحياة الكريمة وتكافؤ الفرص.. لقد أقامت
إسرائيل دولة من اللاشيء؛ بينما عمل الأسد الأب والابن بمنهجية
– وبمساعدة
أجهزته الأمنية وجيشه وأحزابه التقدمية
على تقزيم
الدولة بعائلته من خلال بث الفرقة بين مكونات الشعب السوري وزرع النعرات الطائفية
والمذهبية والتعصبية والشوفينية، متبعاً المبدأ الاستعماري القديم «فرق تسد»؛ حتى
تسهل سيطرته على هذا الشعب وتبقي سوريا غارقة في سبات استبداده العقيم!

حتى
إن هذا الشعب الرازح تحت وطأة القمع والطغيان والموت والتدمير راح يطالب بحماية
دولية وبتدخل أجنبي، ليتخلص من هذا المحتل المتذرع بشعارات كاذبة خادعة عن العروبة
وفلسطين والوحدة العربية والممانعة والصمود والتصدي للمخططات الإمبريالية
ولإسرائيل؛ رغم أن هذه الأخيرة هي من يحميه، ويدافع عنه من وراء المعاندة
الدبلوماسية الروسية والتصريحات الغربية المنددة بجرائمه ووحشيته.. إنه يرضى
بالتدخل الأجنبي وبأخطار كابوس الحرب الأهلية من أجل تحرره من ربقة هذا المحتل
المحلي اللعين؛ مدركاً أن فاتورة خلاصه ستكون أعلى بكثير من فاتورة الخلاص من
المحتل الأجنبي؛ ومع ذلك يجب دفعها الآن أفضل من دفعها فيما بعد.. يجب انتهاز
الفرصة التاريخية السانحة وعدم التباطؤ والتردد في ذلك لأنها لن تتكرر أبداً!

يجب
الإدراك بأنه لا يوجد أي أمل بأن يغيّر نظام الأسد نفسه بنفسه، فإذا أردنا الحصول
على حريتنا والمحافظة على ما تحقق من انتصارات لا تقدر بثمن؛ والتي ناضلنا من
أجلها طويلاً، يجب ألاَّ نتخلى عن معركة الحرية النبيلة, والتي عاهد الثوار أنفسهم
على عدم التراجع عنها حتى تحقيق الهدف المنشود
إسقاط
النظام!

تقوم
قوات الأسد مع شبيحته ومليشياته الطائفية
منذ بدء
الثورة تقريباً
بشن حرب إبادة شاملة على السوريين نيابة عن الولي الفقيه في
إيران. لذلك يعتبر الأسد نفسه هو الأقوى؛ ويعتبر من يعارضه ضعيفاً لا يستطيع
الوقوف أمام آلته العسكرية الطائفية الجرارة دون دعم وتسليح نوعي أو تدخل خارجي.
لكن هل قوته تنحصر في وضع دبابة أو مصفحة في كل ساحة وعلى رأس كل شارع؟ هل قوته
تكمن بوضع جنوده أمام كل بيت؟ هل يستطيع تقييدنا كلياً وحبس الوطن عنا؟

لا،
لسنا ضعفاء، رغم أننا نقف وحيدين أمام نظام متكبر حاقد شرس مجرم. والمعركة ليست من
مصلحة القوي، بل هي من مصلحة اليقظ النشيط الشجاع المنظم
كما يقول خطيب الثورة الأمريكية باتريك هنري!

مع
غياب أي بصيص أمل للحل السلمي السياسي، وتصلُّب الأسد واستمراره بالقتل والتدمير
ومحاولته البقاء لسبع سنين أخرى في سدة الحكم، وكأنه لم يفعل شيئاً بسوريا
وبالسوريين، يجب مواجهته بنفس القوة والعنف والندية من أجل تحقيق توازن الرعب؛
وهذا يُظهر الحاجة الماسة إلى تسليح الجيش السوري الحر مع الفصائل الإسلامية
المعتدلة بأسلحة فعالة تستطيع ردعه وإيقاف حربه المجنونة؛ لأنه مصر على السير
بحملته البربرية ضد شعبه حتى النهاية، مستخدماً كل أنواع القتل والترهيب
والتنكيل.. نجاح بشار الأسد بانتخاباته الهزلية المضحكة الأخيرة، وتقدُّم قواته
على الأرض في بعض المناطق أعطاه فرصة ذهبية ليكون قاتلاً مزدوجاً من نوع جديد؛ لكن
هيهات أن تستمر لعنة المستعمر المحلي إلى الأبد!

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *