الرئيسية / تحقيقات / التيفوئيد .. قاتلٌ جديدٌ في محيط دمشق

التيفوئيد .. قاتلٌ جديدٌ في محيط دمشق

ريف
دمشق – محمود الطويل

يصرُّ
الموتُ أن يُعددَّ أشكالَهُ في محيط دمشق ليختبره أبناء هذه المناطق بكل حالاته،
فاختبروه قصفاً وقنصاً وتعذيباً وتفجيراً واختناقاً بالسلاح الكيميائي ثم اختبروه
جوعاً، والآن يأتي إليهم على شكل أمراضٍ وبائيةٍ جراء الحصار الذي فرضته قواتُ
النظام على الغوطة الشرقية لدمشق وعلى بعض الأحياء المحيطة بها منذ النصف الأول من
عام 2013 لعزل هذه المناطق عن العاصمة وعزلها عن بعضها بعضاً أيضاً. ففي الغوطة
الشرقية بقي حتى الآن ما يُقارب 700 ألف مدني تحت الحصار من أصل مليون ونصف المليون
نسمة يقطنون فيها، حسب إحصائيات الجهات الإغاثية العاملة هناك، وهذا ما ذكره مدير
العلاقات العامة في المكتب الطبي الموحد للغوطة الشرقية الدكتور ماجد أبو علي.
ويتابع الدكتور كلامه عن انتشار الحمى التيفية (التيفوئيد) فيقول: “لوحظ مع
قدوم الصيف وارتفاع الحرارة في مناطق الغوطة الشرقية كثرة المراجعين بحميات
وإسهالات واضطرابات هضمية، ويصعب إحصاء آلاف الحالات المراجِعَة شهرياً بهذه
الأعراض، و قد شُخِّصَ وجود حمى تيفية لدى نسبة كبيرة منهم، أهم أسبابها انخفاض
السوية المناعية وعدم القدرة على تأمين مياه نظيفة، سواء للشرب أو لغسيل الأطعمة،
إضافة إلى انعدام الوقود والاعتماد على مصادر أخرى لغلي وطبخ الطعام، كما أن هناك
عدة بلدات في الغوطة الشرقية تشرب من سواقي وأنهار غير نظيفة، والباقي يشرب من
آبار، وكل هذا سببه الحصار الطويل الذي قارب على إكمال عامه الثاني دون كهرباء
وماء ووقود ضمن الغوطة، ويعتمد في استخراج المياه وتوليد الكهرباء على تهريب
الوقود بأسعار باهظة إلى داخل الغوطة يتجاوز 12 دولار لليتر الديزل الواحد.
المشكلة في التيفوئيد أن على الرغم من كون العلاج بسيطاً وهو مجموعة من الصادات
المتوفرة بشكل كبير بصيدليات دمشق وبأسعار مقبولة إلا أن الحصار الكبير المطبق على
الغوطة الشرقية يجعل من الصعب تهريب كميات تغطي العدد الكبير من المصابين إضافة
إلى أن رفع السوية الصحية وسوية النظافة في البيوت ومحلات الأطعمة يصعب بشكل كبير
بسبب انعدام وسائل الحياة الأساسية من ماء وكهرباء و وقود”.

وذكر الدكتور عاصم باشا من اتحاد الأطباء
السوريين الأحرار “أن العناية المركزة في الغوطة الشرقية وثّقت حالة وفاة
بالحمى التيفية بشكل مثبت بحسب اختلاطاتها، ونُقلت للعناية بعد سوء متابعة وإهمال،
كما ذكرت مراكز أخرى أربع حالات وفاة ترافقت مع حمى تيفية وسبب الوفاة غير
مثبت”.

ومن
الحالات التي تم توثيقها حالتي وفاة في منطقة جوبر المحاذية لساحة العباسيين في
دمشق وقد تم التواصل مع د. فايز عرابي من المكتب الطبي في جوبر وقال: “نعم توجد
لدينا حالتا وفاة لطفلين بعمر تحت العشر سنوات خلال الشهر الماضي راجعت الحالتين
بحالة صحية متردية جداً، والوضع الغذائي كان متدهورا مما سرع في موت المريضين
“، وقد حصلت صحيفة العربي الجديد على صورة أحد الطفلين وهو معاذ بن نذير بلول
المُتوفى في 12 ـ 7 ـ 2014 في جوبر.

وقد
ذكر عدة أطباءٍ أن الحمى التيفية “التيفوئيد” وهي بسبب جرثومة
السالمونيلا من أكثر الأمراض انتشاراً في المناطق المحاصرة هذه الفترات، وقد أشار
الدكتور عاصم باشا / اتحاد الأطباء السوريين الأحرار إلى خطورتها: ” بسبب نقص
المتابعة الطبية الناتجة عن قلة الكوادر، والجهل، وقلة مواد التشخيص، تختلط الحمى
التيفية بعدة أمراض أخرى تشابهها في أعراضها ومسبباتها، مثل: التهابات الأمعاء
الجرثومية والطفيلية، التهاب الكبد أ، الحمات الراشحة. وكل هذه الأمراض منتشرة
بشدة، وكثير من الحالات تعامل على أنها تيفية حتى يثبت العكس خوفاً من اختلاطاتها
وتأتي خطورة الحمى التيفية من حيث اختلاطاتها مع أمراض وبائية أخرى وأهم هذه
الاختلاطات: انثقاب الأمعاء – الأعراض العصبية – التهاب المرارة ” ، وعن
خطورة التيفية قال د. فايز عرابي / المكتب
الطبي في جوبر: ” يمكن أن نقول إنه الأخطر إن أُهمل علاجه أو تأخر وخاصة مع
تردي الوضع الصحي لغالبية القاطنين في الغوطة بسبب نقص الوزن والتراجع في الحالة
العامة لغالبية الناس (نقص تغذية)”، وحدد د. ماجد أبو علي / المكتب الطبي
الموحد، خطورة الحمى التيفية بالعدد الكبير المُصاب بهذا المرض “والمشكلة أن
هذا المرض قد يصبح قاتلا عند المرضى المدنفين منخفضي السوية المناعية لأسبابٍ
أخرى”.

وحسب
الدكتور أبو عهد / مركز الفارابي الطبي “فقد بلغت الحالات التي تم إحصاؤها في
مركزهم عن شهر حزيران (191) وتموز (221)
وذلك بين مؤكدة ومشتبهة مُصابة بالتيفية وهذه الحالات في ازدياد”، وبلغت
إحصائية المخبر المركزي للغوطة الشرقية التابع لاتحاد الأطباء السوريين الأحرار،
حتى منتصف شهر حزيران قبل أن تنفذ وسائل التشخيص في اختبار فيدال: من أصل 887 طلب
تحليل كان منها 512 إيجابياً، أي أن هناك قرابة 900 حالة استدعت طلب التحليل
بأعراض الحمى ونسبة التيفية منها 58%،علماً أن المخبر لا يغطي إلا القطاع الأوسط
في الغوطة الشرقية، كما يقوم /اتحاد الأطباء السوريين الأحرار/ بإحصائية واسعة
تشمل مراكز العيادات والرعاية الصحية لم تكتمل بعد، أما عن المكتب الطبي في جوبر
فقد بلغ متوسط عدد الحالات اليومي بين نيسان وحزيران أربعون حالة جديدة.

وعن
طُرق الوقاية منها أكّد الأطباء على أهمية الاعتناء بالنظافة الشخصية في الدرجة
الأولى وشرب المياه النقية وغسل الخضار والفواكه جيداً وممكن استخدام الخل للنقع،
وينصح باستخدام الآبار العميقة التي تعد أسلم من الآبار السطحية المنتشرة.

وقد
قامت عدة نشاطات توعوية تتعلق بالأمراض المُعدية وخاصة الحمى التيفية، وأخبرنا
الدكتور فايز عرابي/ المكتب الطبي في جوبر أنه قام ” بإلقاء سلسلة محاضرات
للمدرسين والمدرسات (معلومات عن الحمى التيفية والأمراض الحموية المنتشرة حاليا في
الغوطة وطرق الإنتشار وطرق الوقاية) وذلك لتأهيل هذه الكوادر التي تقوم بتربية
وتدريس الأطفال وهم الأكثر عرضة للإصابة عادة والأكثر تأثراً بالاختلاطات”،
وقد وزّع اتحاد الأطباء السوريين الأحرار نشرات توعوية حول الحمى التيفية في
الغوطة الشرقية، كما تم توعية الناس عبر مراكز العيادات والرعاية الصحية.

وعلى
الرغم من أن العلاج الدوائي بسيط نوعاً ما وهو الصادات الحيوية، ولكن الحصار
المطبق على المناطق التي انتشرت فيها حمى التيفوئيد جعله نادراً جداً مثل
سيبروفلوكساسين – سيفترياكسون، وقد أشار الدكتور عاصم الباشا / اتحاد الأطباء
السوريين الأحرار إلى أن ” النقص والحاجة على عدة مستويات:

على مستوى أدوات التشخيص: فقد نفذت معظم كيتات
الاختبار لتشخيص الوباء (اختبار فيدال – اختبار رايت).

على مستوى العلاج: هناك نقص كبير جداً وانعدام
بمعظم علاجات الحمى.

على مستوى الكوادر الطبية: نقص الكوادر الطبية
يسبب سوءً للمتابعة وإهمالاً طبياً في كثير من المناطق.

ولا
بد من الدعم عبر توفير وسائل التشخيص
والعلاج بشكل رئيسي، والبدء بخطة مدروسة لتنقية مياه الشرب وإصلاح شبكة الصرف
الصحي في المناطق المحاصرة”، وطالب د.أبو عهد / مركز الفارابي الطبي بضرورة
إدخال مساعدات طبية عن طريق الأمم المتحدة، ولدى سؤال د. ماجد أبو علي / المكتب
الطبي الموحد عن التواصلات التي قام بها أخبرنا عن تواصله مع وزارة الصحة في
الحكومة المؤقتة وأنها بعد أن أبدت عجزها المالي طلب منهم دعماً إعلامياً لتسليط
الضوء على واقع الغوطة طبياً والأمراض المنتشرة فيها فوعدوه بذلك ولم تتم متابعة
الموضوع إطلاقاً، وذلك حسب قول الدكتور.

وفي هذه الأثناء لم يزل المحاصرون في محيط دمشق
بعيدين عن أسباب الحياة بضعة كيلومترات فقط تفصلهم عن الغذاء حتى لا يموتوا جوعاً
وعن الدواء حتى لا يموتوا بالأمراض الوبائية فإن كانت الحمى التيفية هي من أكثر
الأمراض انتشاراً ولكن هناك أمراضٌ أخرى أخطر وأشد فتكاً كالسل والتهاب الكبد تنتشر سراً بين الناس.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *