الرئيسية / رأي / دكاكين ثورية

دكاكين ثورية

كان العام 2012 عاماً للانفجار الإعلامي على مستوى القنوات التلفزيونية
العاملة لأجل الثورة، وبلغ التفاؤل حدوداً لم يبلغها من قبل بعد أن تابع الجمهور
صعود نجم القنوات الثورية التي وإن كانت دون المستوى الفني في معظم الأحيان إلا
أنها حققت انتقالاً معقولاً كان جمهور الثورة يبحث عنه فقد كانت تلك القنوات تسعى
لإرضائه، ونقل تظاهراته، وتجتهد في توثيق انتهاكات النظام، في أي بقعة من بقاع
سوريا، وسرت إشاعات كثيرة أن السوريين على موعد مع قناة كبيرة بإشراف مباشر من بعض
المؤسسات الإعلامية العربية وبتمويل كبير يمكنها من مواجهة قنوات النظام الهزيلة
الكاذبة ذات اللغة الخشبية الرخيصة، وفعلاً تم تقديم أوراق عمل في اجتماعات مغلقة
ومفتوحة، ودارت نقاشات كثيرة ومطولة حول مقر تلك القناة، وتوجهاتها ونوعية
الإعلاميين والصحفيين الذين سيعملون فيها، وبدا أنه لم يبق إلا أن يتابع الجمهور بثها
الجريبي، وقد أخبرني أحد الزملاء الذين حضروا اجتماعات وفود المعارضة في القاهرة
أن الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي كان مهتماً شخصياً بموضوع
القناة وأنه تسلم ملفها، ووعد أنه سيتابع المشروع حتى يرى النور، لكن كل ذلك تبخر،
وبلمحة عين لم يبق من ذلك المشروع سوى حبر على ورق، وتطاير الحلم التلفزيوني
السوري دون أن يدري أحد حتى هذه اللحظة ما الذي حدث تماماً، ولا أين ذهبت القناة
الموعودة، وقد تزامن هذا المشروع مع صعود نجم الائتلاف الوطني الذي أعلن عن تشكيله
في الدوحة، والذي جاء ليوحد الصفوف، وينطلق إلى الأمام حاملاً تصوراً ثورياً
مختلفاً عن ذاك الذي حمله المجلس الوطني الذي قبل الانضواء تحت عباءة الائتلاف،
واعترفت بعض دول العالم بالائتلاف ممثلاً للشعب السوري، بل إن بعض الدول سلمت
الائتلاف سفارات النظام، وسمي ممثلو الائتلاف سفراء، دون أن يعلم الناس ما هو الدور
الذي سيقوم به أولئك السفراء، ولا ما هي الصلاحيات التي ستمنح لهم، ولكن تلك
الخطوة بكل ما حملته من أبعاد سياسية شكلت صفعة سياسية قوية للنظام، وجعلته يفقد
توازنه، وهو يرى الأمور تأخذ شكلاً آخر، بل وهو يرى رئيس الائتلاف معاذ الخطيب
يلقي كلمة في مؤتمر القمة العربية، وبدا أن هذا التصعيد العربي والدولي سيقود
الأمور إلى النهاية المرقبة وأن بشار الأسد قاب قوسين أو أدنى من مغادرة العربة،
لكن كل ذلك تبخر أيضاً وبدأ الائتلاف يتداعى، وبدأت أخبار الفساد والمحسوبيات
تنتشر سريعاً لتصل إلى مسامع السوريين، الذين بدأوا يفقدون الأمل في أن يكون
الائتلاف مخلصاً، وقد شكل العام 2013 عام الانهيار السريع لا للمشاريع المرتقبة بل
حتى للمشاريع التي كانت قائمة أصلاً فخرجت القنوات الثورية من اللعبة بحجج كثيرة،
أولها كان ضعف التمويل، ثم تبعتها التكتلات السياسية بحجة غياب الدعم الدولي على
الرغم من أن الأرقام التي أعلن عنها كانت كفيلة بدفع العجلة إلى الأمام لا في
جعلها تتوقف وتتراجع، أغلقت واسمحوا لي أن أستخدم هذا التعبير الكثير من الدكاكين
الثورية، التي كانت تبيع الناس بضاعة ثورية سيئة التصنيع، ولم يبق لها سوى أن توضع
على الرف، وتدع الشعب الذي لطالما اشترى منها وحيداً، فما الذي حدث؟ وهل تخلى
الداعمون فجأة عن دعمهم؟ وهل أفلس الجميع فجأة؟ الحقيقة أن لا أحد يستطيع تقديم
إجابة شافية وافية، فما يظهر للعيان يقول إن التمويل مستمر في الجريان، وإن سفارات
الائتلاف ما زالت مفتوحة، رغم أنها عاجزة عن تقديم ورقة قيد نفوس لطفل يولد في
المنفى، والوقائع تقول أيضاً إن الائتلاف يمتلك مكتباً إعلامياً له ميزانية كبيرة
وفيه عدد كبير من الموظفين، ومعظمهم ويا للمصادفة ليسوا من الإعلاميين، وتقول
الوقائع أيضاً إن هذا المكتب الإعلامي عاجز عن صياغة بيان من مئتي كلمة، دون أن
يتضمن عدداً من الأخطاء، ومما تقوله الوقائع أيضاً أن الثورة السورية التي ابتدأت
يتيمة ما زالت يتيمة، لكنها هذه السنة باتت يتيمة وثكلى وقد غادرها الكثير من
أبنائها، وفروا بعيداً، بل إن الكثيرين منهم لا يخجلون من القول سراً وعلانية:
ثورة!! عن أي ثورة تتحدثون؟ لقد انتهت الثورة.

طبعاً، كل هذا يجري ونحن نراقب وسفارات الائتلاف تراقب أيضاً، والسادة
السفراء الذين توقفوا عن التصريحات الصحفية النارية ما زالوا جالسين في مقاعدهم
الوثيرة يراقبون المشهد الدامي عبر قنوات تلفزيونية عربية وعالمية، تشغلها الكثير
من الأحداث الأخرى، ويبتعد الخبر السوري شيئاً فشيئاً عن نشراتها الإخبارية، وقد
يمر مرور الكرام أحياناً، كل هذا يحدث وقد انزوى عشرات الإعلاميين الذين فقدوا
عملهم بعد أن أغلقت القنوات أبوابها، وبعضهم ما زال يؤمل نفسه بأن يجد رسالة في
بريده الإلكتروني تحمل موافقة إحدى الجهات أو المؤسسات على تشغيله، فقد ضاق ذرعاً،
ولم يعد قادراً على دفع بدل إيجار منزله، ولا حتى على تسجيل أبنائه في المدارس،
وبين الحين والآخر تزكم أنوفنا قصة فساد جديدة في أحد مكاتب الائتلاف الذي ينشغل
هذه الأيام كما سمعنا في ترتيب ما تبقى له ومحاولة الاستفادة من الوقت الضائع، بعد
أن أعلن الكثير من مؤسسيه أنه يتداعى ولم يعد قادراً على إكمال الطريق، كل هذا
يحدث وسوريا ما زالت تموت كل لحظة، على أيدي الكثير من القتلة، هنا النظام وهناك
داعش، وبينهما حالش، فلو أنشأوا قناة تلفزيونية سورية حقيقية أما كان أفضل لنا من
هذه السفارات؟ ولو تركوا المعركة الإعلامية للإعلاميين ألم يكن ذلك أجدى؟ وهل نحن
حقاً في حاجة لسفارة تمثل ائتلافاً تقدم رئيسه في يوم من الأيام بمبادرة
“كبيرة” تقضي بتجديد جوازات سفر السوريين؟ أغلقوا هذه الدكاكين الوهمية وأطلقوا
قناة تلفزيونية، جريدة، موقعاً الكترونياً، أي شيء، فالشاشة تحكم العالم.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *