نسرين أنابلي
يبدو أن تجارة الأزمات تنتعش في حلب يوماً بعد يوم مع تردّي الأوضاع الإنسانية والمعيشية وتفاقم الفوضى والانفلات الأمني. ومع كثرة الأزمات التي تعانيها حلب بدأت البدائل بالظهور، ومنها بدائل الكهرباء الغائبة عن المدينة بشكل شبه كلي، حيث ظهرت البطاريات القابلة للشحن، وأنواع مختلفة من أجهزة الشحن والإضاءة وأيضاً المولدات الكهربائية المنزلية الصغيرة، ثم توافر المولدات الكبيرة نسبياً لتستهدف خدمة عدد أكبر من المستفيدين فيما عرف بـ “الأمبيرات”.
وتعتمد هذه الخدمة مدفوعة الأجر، على أن يأتي أحدهم بمولد كهربائي كبير، ويقوم بتأمين تشغيله وتوفير الوقود له والصيانة، ومد الكابلات اللازمة لرفد كل مشترك بالتيار الكهربائي تناسب حاجته وقدرته المادية، وقد ظهرت هذه الخدمة أولاً في المناطق “المحررة” المسيطر عليها من قبل المعارضة، لتنتقل مؤخراً إلى المناطق الأخرى في الجانب الآخر من مدينة حلب التي بقيت تحت سيطرة قوات النظام.
إما “الأمبير” أو الظلام
إما أن تعيش في ظلام دامس أو أن تدفع مصاريف لا طاقة لك بها من أجل التمتع بنعمة الكهرباء لساعات محدودة. هذا هو حال معظم أهالي حلب، إذ توفر هذه المولدات التيار الكهربائي لعدد محدد من الساعات يومياً، تقارب الست ساعات، ومن يرغب في الاشتراك للاستفادة من خدمة الأمبيرات يقوم بدفع كلفة تمديد الكابل الواصل بين المولدة ومنزله أو محله، ويقوم صاحب المولدة بتركيب قاطع تفاضلي يقطع التيار تلقائياً عن المشترك حين يتجاوز استهلاكه عدد الأمبيرات الذي قام بالاشتراك فيه، وذلك مقابل حوالي 800 ليرة سورية أسبوعياً لقاء الأمبير الواحد.
ميشيل، من حي السليمانية في حلب وأحد المستفيدين من هذه الخدمة يقوم بدفع 6400 ليرة سورية شهرياً مقابل الاشتراك بخطي أمبير، يقول لـ “صدى الشام”: “لا يوجد بديل أمامي سوى الأمبيرات، فحتى الشواحن الكهربائية بحاجة للكهرباء لتشحن، والكهرباء أصبحت من التراث حالياً. لقد أصبح لدينا ميزانية خاصة للكهرباء إضافة لما نعانيه من غلاء في المعيشة ولكن الحاجة أقوى من كل شيئ، الظلام أعمى عيوننا، ونريد أن نحافظ على حد أدنى من الحياة الكريمة”.
ويرى ميشيل، أن عملية حسابية بسيطة تظهر مدى الربح الفاحش المحصل من قبل أصحاب المولدات على حساب المواطنين، فبرأيه أن خمسة أو ستة أشهر من تشغيل المولدة يكفي صاحبها لاسترداد كامل كلفتها بما في ذلك كلفة الصيانة والوقود.
“رغم تكبُّدِ المواطنين مصاريف زائدة بسبب الامبيرات، إلا أن الكثير منهم يعتبرها بديلاً جيداً عن بطاريات السيارات وغيرها، وتتيح لهم الإحساس بشيء من إنسانيتهم وحقوقهم”. هذا ما قالته رويدا من حي السريان القديم، حيث أضافت، “لولا الأمبيرات كنا سنعاني الأمرين من القيظ خصوصا بشهر رمضان، بالاضافة الى أنه أصبح باستطاعتنا حفظ بعض الأطعمة في البرادات بدون أن نخشى فسادها كما في السابق”.
أبو محمد يرى أن الأمبيرات تبقى حلاً أفضل من المولدة المنزلية الخاصة التي تكون أكثر كلفة، إضافة إلى الضجيج الصادر عن المولدة، ويقول: “يكفي أنني ارتحت من همِّ الأعطال والصيانة”.
شكوك بتواطؤ حكومي
يقول أغلب المواطنين، أن أصحاب المولّدات الكبيرة يبيعون الأمبيرات يومياً وضمن الفترة الواقعة بين الساعة / 4 / عصراً ولغاية الساعة / 12 / منتصف الليل، وهي الفترة ذاتها التي تقوم شركة الكهرباء بقطع التيار الكهربائي فيها، ولا يبدأ التيار بالعودة طبعاً إلا بعد منتصف الليل ولمدة لا تتجاوز الساعة الواحدة فقط، الأمر الذي يطرح عدة إشارات استفهام وتساؤلات عن مدى العلاقة بين سياسة الأمبيرات وسياسة التقنين والقطع. يتساءل فادي في هذا الصدد: “ما السر إذاً وراء قطع كهرباء الدولة، النادرة أصلاً، طول ساعات خدمة المولدات”؟!.
لا تفسير لذلك لدى فادي والكثيرين سوى أن المسؤولين عن القطاع الكهربائي مستفيدين مادياً من انقطاعه عن طريق أصحاب المولدات.
ويشير فراس، من حي السبيل بحلب إلى أنه “لا بد أن تجار الأمبيرات يملكون نفوذاً ما، وصلة بأصحاب القرار كي يتمكنوا من ممارسة نشاطهم هذا دون رقابة، ويضيف: “كل فترة يقومون بزيادة تكلفة الاشتراك بالأمبير، كانت في البداية 450 ليرة للأمبير الواحد، واليوم وصلت لـ ـ800 ليرة سورية، إنهم يعرفون أننا سنضطر للدفع بسبب حاجتنا الماسة للكهرباء، ومن ناحية أخرى لا يوجد من يراقب عملهم، ويحاسبهم، هذا إن لم تكن الحكومة متواطئة معهم في هذا الأمر، فكهرباء الحكومة والامبيرات لا يجتمعان معاً أبداً”.
ويختلف عبد الرحمن مع فراس، ويعتقد أن موضوع رقابة عمل أصحاب الأمبيرات لا فائدة منه طالما لا يوجد بديل للأمبيرات حالياً. ويعتقد أن المواطن الحلبي منذ سنتين وهو خارج رقابة الدولة واهتمامها بأي مجال، ويتابع عبد الرحمن قائلاً: “أنا أعتبر أن تكلفة الأمبيرات أخف وطأة من فواتير الكهرباء الحكومية التي كانت تأتينا بمبالغ خيالية، بالإضافة إلى أننا لن نستفيد شيئاً من محاسبتهم لأننا خارج اعتبار الحكومة كمواطنين لهم حقوق، عدا عن أننا سنغرق بظلام دامس إذا توقفت خدمة الأمبيرات”. نعم ليتواطأ التجار والحكومة كما يحلو لهم، المهم أن ننعم بالكهرباء”. هذا ما أنهى به عبد الرحمن حديثه.
مهما كان من أمر خدمة الأمبيرات هذه، يبدو أن الحلبيين لا يملكون إلا أن يشتركوا بها ليبصروا قليلاً من النور في غمار ظلمة أعيت عيونهم ونفوسهم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث