الرئيسية / تحقيقات / اللاجئون السوريون في تركيا.. مشاكل معتـادة وموضــوع استغــلال انتخــابي

اللاجئون السوريون في تركيا.. مشاكل معتـادة وموضــوع استغــلال انتخــابي

غازي عنتاب – نسرين أنابلي

كان لابد للإقامة الطويلة للسوريين
في تركيا أن تُفضي الى بروز مشاكل غير تلك المعهودة، المتعلقة باللجوء، وأزمات
المخيمات وازدحامها.
فبينما مرّت ثلاثة أعوام ونصف العام على بدء الثورة والأحداث
الدامية في سوريا، وصل عدد السوريين الذين عبروا باتجاه تركيا نحو مليون شخص. وهو
ما جعل تركيا، التي كانت قد أعدت خططها لاستقبال ربع مليون لاجئ فقط، تواجه مشاكل
لم تكن تتوقعها أبدًا.

ولأن مخيّمات اللاجئين الـ
22 المقامة في عشر ولايات، لم تكفِ لاستيعاب اللاجئين، فقد انتشر السوريون بسرعة
البرق في مختلف الولايات التركية الإحدى والثمانين، بناء على سياسة الباب المفتوح
التركية، وهو ما أدى بدوره، إلى فتح أبواب المشاكل الاجتماعية والمعيشية بين
السوريين والأتراك.

وكان عدم استعداد البلديات،
وسائر مؤسسات الدولة الأخرى في تركيا لاستقبال هذه الموجة الكبيرة من اللاجئين
السوريين، وتغيّر أجواء “الود والأخوة”، وكذلك ارتفاع التوتر بين أفراد
المجتمع التركي وضيوفهم من السوريين، بسبب ارتكاب بعض اللاجئين لأعمال شغب، وزيادة
أعداد المتسوّلين منهم، إضافة إلى عدم كفاية الاحتياجات الأساسية، كالمستشفيات
والمدارس، وارتفاع إيجار المساكن، وانتشار العمالة السورية الرخيصة، إن كل ذلك شكل
أسباباً مهمة لخلق العديد من المشاكل بين بعض
المواطنين الأتراك وبعض اللاجئين السوريين في الآونة الأخيرة.

ولا شك أن الأحداث الأخيرة
التي شهدتها ولايات، (غازي عنتاب وقهرمان مرعش وأضنة)، التي يقطنها عدد كبير من
اللاجئين السوريين، هي خير دليل على هذه المشكلات المجتمعية.

ضيوف غير
مرغوب بهم

(سعيد)، لاجئ سوري من ريف
حماة، وأحد سكان حي (دوزتبة) الشعبي بمدينة غازي عنتاب، يتحدث عن المشاجرات الكثيرة
التي حصلت في الفترة الأخيرة بين السوريين والأتراك في الحي ويقول: “أنا أسكن
في هذا الحي منذ سنة ونصف تقريباً، ولم أشهد توترات بهذه الكثافة من قبل، وربما أن
ازدياد عدد الأسر السورية وقيام البعض من ضعاف النفوس بارتكاب أخطاء فردية زاد في حدة
هذه التوترات. ومن ناحية أخرى فأغلب المواطنين الأتراك في هذا الحي هم من المهربين
وأصحاب المشاكل، وهذا ما فاقم الوضع أكثر، ويستطيع المرء أن يلاحظ بسهولة قلة
المشاكل في الاحياء الاكثر رقيّاً مقارنة بالاحياء الشعبية المكتظة. أصبحنا ضيوفاً
غير مرغوب فيهم، وذهب الصالح بالطالح”.

ترى إلهام (32 سنة)، من ريف
حلب، أن “أغلب السوريين في بلادهم لم يكونوا يعرفوا القانون بالأصل، حتى
يطبقوه هنا ويبتعدوا عن الشغب”. وتضيف “لقد أثرت الفوضى والانفلات
الأمني الذي عايشه السوريون في بلدهم على سلوكهم بشكل كبير، فهم غير قادرين بعد
على التأقلم مع حياة ومجتمع يسير وفق القانون، وهذا ما أدى لارتكاب الأخطاء من
الكثيرين الذين يظنون أن صفة لاجئ قد تعفيهم من المحاسبة والمساءلة
القانونية”.

تتحدث إلهام عن مضايقات بعض
الشباب السوريين ومعاكساتهم لها، ظنّاً منهم أنها فتاة تركية، رغم انتشار عناصر الشرطة
التركية في كل مكان، وتضيف، “الكثير منهم يعتقدون أني فتاة تركية ربما لأني
لا أرتدي الحجاب، ولا يترددون بإزعاجي ظناً منهم أني لا أفهم لغتهم. من المعيب
والمخجل التعرض لأي فتاة سورية أو تركية، فهذا ليس من أخلاقنا وعاداتنا، ولا يجب
أن نرد المعروف بالإساءة”.

أما المسألة الأكثر تأثيراً
في خلق المشاكل بين اللاجئين السوريين والأتراك، فكانت بسبب انتشار العمالة
السورية الرخيصة في تركيا، الأمر الذي أزعج العديد من المواطنين الأتراك، إذ عدّوا
أن هناك من سرق منهم فرص عملهم، وتسبّب بانخفاض أجورهم.
ولعل عدم انتهاج الحكومة التركية سياسة واضحة المعالم في هذا الشأن قد أفضى إلى
ظلم كلا الطرفين، وهو ما دفع العديد من اللاجئين السوريين للتسول وممارسة أنشطة
اقتصادية غير قانونية.

(أروهان) شاب تركي (37سنة)
يعمل في ورشة لتصنيع المفروشات الخشبية، يعتبر أن ازدياد عدد السوريين خلق أزمة
عمل كبيرة في السوق التركي. ويقول: “من السهل جداً أن يتخلى عنك رب العمل
بسبب وجود بديل سوري يعمل لمدة أطول وبأجر أقل، فالأجور انخفضت بنسبة 20% عما كانت
عليه قبل مجيء السوريين.. شخصياً أتعاطف معهم ومع قضيتهم، ولكن لابد لحكومتنا أن تجد
حلولاً جذرية لهذه المشكلة”.

ويضيف أورهان، بأن “السوريين
باتوا متوغلين في السوق التركية بمختلف المهن بشكل كبير، كما أن انتشار البضائع
السورية المهربة أضعف تسويق المنتج التركي، الذي لا يفضله أغلب السوريين، كالشاي
والقهوة وبعض المعلبات وغيرها، إما لارتفاع سعرها أو لعدم تماشيها مع الذوق السوري،
بالإضافة الى اقبال بعض الأتراك أيضاً على شراء المنتج السوري.

أما الشاب التركي (سيف) فيقول:
إن “إيجار البيت الذي يسكنه ارتفع بشكل كبير، بينما لم يعد هناك شقق للإيجار،
ولا حتى غرف أرضية”.

ويعتقد كثيرون بأن هذه
المشاكل ازدادت مع اقتراب الانتخابات الرئاسية التركية التي ستجري في الشهر
القادم. ويقول (حيّان)، وهو مهندس مدني من مدينة حلب:”أشعر بأننا أصبحنا
كالكرة بين مرشحي الانتخابات التركية. فالحزب المعارض بقياد أكمل الدين إحسان أوغلو،
وضع طرد السوريين على قائمة برنامجه الانتخابي، ورجب طيب أردوغان يعتمد سياسة
الباب المفتوح المضادة لسياسة منافسه، وأنا أعتقد أن وراء هذه المشاكل، التي كثرت
في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ، أياد معارضة لحزب العدالة والتنمية، تريد أن تلعب
على موضوع شغب السوريين ومشاكلهم للتقليل من فرص أردوغان بالفوز”.

استياء شعبي
تركي وتهدئة حكومية

ولقد دفعت كثرة
التوترات في غازي عنتاب، العديد من المواطنين الأتراك للدعوة إلى تظاهرات ضد وجود
السوريين في بلدهم. ورغم الإقبال المتواضع على هذه الدعوات، وعدم جديتها، إلا أنها
دفعت الحكومة التركية إلى إصدار العديد من التعليمات الجديدة الخاصة بالسوريين، وإلى
إطلاق العديد من نداءات التهدئة سواء من والي غازي عنتاب، الذي امتنع عن ترخيص
مظاهرة في “ساحة الديمقراطية”، تطالب بطرد السوريين، وصرح أن “السوريين
أهلنا ولن نتخلى عنهم بسبب بعض الأخطاء الفردية”، كما اجتمع رئيس الائتلاف الوطني
السوري المعارض، هادي البحرة مع والي المدينة ومدير الأمن فيها، حيث تم خلال
الاجتماع عرض أهم فعاليات مديرية الأمنيات في ملف اللاجئين السوريين، كما تم
استعراض الخدمات التي تقدمها الحكومة التركية للسوريين والقرارات الجديدة بخصوص
منح الإقامات والهويات الصحية. الاجتماع تطرق كذلك الى ازدياد نسبة السوريين في
غازي عنتاب لهذا العام عما كانت عليه في العامين الماضيين، حيث بلغ عدد المسجلين
251 ألف سوري مع احتمال وجود نصف هذا العدد غير مسجلين حتى الآن، بالاضافة الى
زيادة عدد الجرائم التي اشترك فيها سوريون، لتصل الى 1276جريمة.

وجاء في بيان
نشرته الحكومة السورية المؤقتة، أن “الهدف الأساسي من الاجتماع، هو مناقشة
أسباب اتساع ظاهرة استهداف السوريين في غازي عنتاب ومرعش وبعض المدن التركية،
والمظاهرات التي تدعو الى طردهم، إضافة الى المشاكل التي يسببها بعض السوريين
والتي أثرت سلباً على الرأي العام التركي تجاه وجود السوريين بينهم”.

ولدى سؤالنا
للمكتب السياسي للحكومة المؤقتة حول إمكانية ودور الحكومة في ضبط التحركات المسيئة
للسوريين، صرّح المكتب بأن “هناك خططاً ومشاريعَ وحملاتِ توعيةٍ، تهدف الى
زيادة الوعي السلوكي لدى السوريين، وتوطيد أواصر التعايش والمحبة مع الشعب التركي،
والتأكيد على اللجوء للشرطة في حال حدوث أي مشكلة بدلاً من إثارة اعمال الشغب.

لا بد من
الاعتراف أننا كلاجئين سوريين، نحتاج أن نلقى قبولاً في المجتمع التركي، حتى تستمر
معاملة الحكومة التركية لنا بمقاييسها المعهودة وتسهيلاتها التي اعتدنا عليها، إذ
من الواضح أن الحالة السورية ستستمر زمناً طويلاً، لا يعلمه إلا الله
!

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *