أحمد العربي
الهوية في اللغة مشتقة من الضمير هو ، أمّا مصطلح
الهو فهو المركّب من تكرار هو، وقد وُضع كاسم معرّف بــ أل، ومعناه “الاتحاد بالذات”. ويشير مفهوم الهوية
إلى ما يكون به الشيء هو هو ، أي من حيث تشخُّصه وتحقُّقه في ذاته وتمييزه عن غيره.
“الذات”..، ما يسميه الفلاسفة بالهوية، فذات الإنسان هي هويته، وهي كل
ما يشكل شخصيته من مشاعرَ وأحاسيسَ وقيمٍ وآراء ومواقف وسلوك، بل وكل ما يميزه عن غيره
من الناس. وقد عرف “اريكسون” الهوية الشخصية،
أو الذات، “بأنها الوعي الذاتي، ذو الأهمية بالنسبة للاستمرارية الأيديولوجية
الشخصية، وفلسفة الحياة التي يمكن أن توجّه الفرد، وتساعده في الاختيار بين إمكانيات
متعددة، وكذلك توجه سلوكه الشخصي.
أما “هنري
تاشفيل”، و”جون تيرنر”، ( باحثان انجليزيان في علم النفس الاجتماعي) فقد استعملا مصطلح الهوية الشخصية،
مقابل الهوية الاجتماعية. وكان القصد لمصطلح الذاتية التي تعرف الفرد بالمقارنة مع
الآخرين.
كما تعرف الهوية على المستوى الجمعي للدولة (الهوية
الوطنية)، و هي مجموع السمات والخصائص المشتركة التي تميز أمة أو مجتمعاً أو وطناً
معيناً عن غيره، يعتز بها، وتشكّل جوهر وجوده وشخصيته المتميزة، فهو وعاء الضمير
الجمعي لأي تكتل بشري، ومحتوى لهذا الضمير في نفس الآن، بما يشمله من قيم وعادات
ومقوّمات تكيّف وعي الجماعة وإرادتها في الوجود والحياة داخل نطاق الحفاظ على
كيانها.
ويختصر مفهوم الهوية بالتعريف الرسمي بالبطاقة التي
يحصل عليها الفرد بعد تجاوزه سناً معينة، وتحمل معلومات عنه كمحل وتاريخ الميلاد
وبعض السمات المميزة للشكل ورقماً وطنياً بحيث يصبح من المستحيل أن يتشابه شخصان
قانونياً، وفي الدول الناجزة التي تدرك معنى الهوية تنسجم تلك البطاقة مع معطيات
الفكر السياسي والقانوني الذي يستند إلى مفهوم المواطنة بوصفها معياراً جوهرياً
لتحقيق العدالة والمساواة بين جميع من يحملون تلك الهوية بوصفها تمنح حاملها صفة
مواطن.
أما في جمهوريات الرعب والخوف التي تعد سوريا مثالاً
صارخاً لها حيث لا يوجد سوى تعريف واحد للهوية، وهي بطاقة تعريف أمني تتيح لأجهزة
الأمن الاستدلال على شخصية حاملها. عرف الشباب السوري مفهوم الهوية في بلادهم
جيداً لكن أحدهم لم يعرف وهو يذهب فرحاً لإستخراج تلك البطاقة أنه كمن يبيع نفسه
للشيطان فحين يبصم على استلام تلك البطاقة إنما هو يوقع عقد العبودية المطلقة ذاك
العقد الذي يكلف الإخلال فيه حياة الشخص. وحين بدأ هذا الشباب يعي المعنى الحقيقي
للهوية، وبدأت تتشكل لديهم ملامحها الثقافية والإيديولوجية على المستوى الفردي
والجمعي، واكتشفوا أن المواطنة، وليست العبودية هي ما تحمله الهوية من معنى ثاروا
ضد الطرف الثاني في العقد والذي يمثل الجلاد أو المستعبد مطالبين بتصحيح العقد الاجتماعي
إلى صيغته الأصلية التي تكفل لمن يحمل صفة مواطن حقوقه، وترسم بشكل لا يدع مجالاً للشك
ما عليه من واجبات.
ولكن هيهات!! فهل يوجد في
دولة الرعب حقوق أو عقد اجتماعي أساساً، فليس لك من الحق سوى ما يمنحه السيد وعليك
كل الواجبات. فكان الرد قانونياً على التمرد بحسب فهم النظام لمعنى الهوية، فإما
القتل المباشر لمن لم يتسع الوقت كي يصحح له رجل الأمن مفهومه للهوية، وهم الأوفر
حظاً، أما التعساء من السوريين فيخضعون لدورة إجبارية في أحد الفروع الأمنية
لتعليمهم معنى الهوية ومدة تلك الدورات ونتائجها تتبع لقدرة الشخص على الاستيعاب
والتحمل معاً فقد تمتد من ثلاثة أشهر إلى ماشاء الله من السنين، وقد يخرج المرء
إذا تم التأكد من أن مفاهيمه تجاه الهوية قد صُحِّحت، وأنه عاد أهلاً للتعاقد
بالمعنى القانوني، وقد يموت مع الهوية التي ناضل من أجلها في قبو شعاره” أيها
الإنسان، اعرف نفسك” فإذا عرفتها تموت فلا يبقى منه إلا التعريف الرسمي
(البطاقة الشخصية) التي تعرفه كما يريد النظام أن يعرفه، وليس كما أراد هو أن يعرف
نفسه، وتكدّس تلك البطاقات الشخصية في فروع الأمن، كما تُكدَّس جثثُ أصحابها
مجهولة في مقابر جماعية للباحثين عن الهوية بانتظار أن يقرر الجلّاد أن يشملها
بعفو يبرأ به ساحته من دمهم، فهي بمثابة العقد بينهم، وهم من أخلوا بشروطه والعقد
شريعة المتعاقدين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث