نسرين أنابلي- مصطفى محمد- سما الرحبي
تحجب سحب الدخان الأسود المتصاعد من الأراضي السورية، شمس العيد المنتظر، تصمت أغلب مآذنها المدمرة عن التكبير، ويتعلق بجدرانها بقايا ضحكات أطفال كانوا يلعبون هنا، ليبقى العيد معلقاً على قائمة انتظار طويلة من المناسبات التي افتقدها السوريون منذ ثلاث أعوام. فالعيد بالنسبة لهم بات محطة لاستذكار الديار و الغائبين، الذين استشهدوا أو غيبتهم السجون، أو تفرقوا في الشتات الذي أصاب أغلب العوائل السورية.
في مخيم اليرموك جنوب العاصمة دمشق، يحل العيد كضيف ثقيل الظل كما هو الحال بالنسبة للعديد من المناطق المحاصرة، فالشقاء الموجود ضمن المخيم لا يمكن وصفه بالكلمات العادية، فجزء كبير من الفكرة يسقط أثناء عبوره جسر التعبير، فإلى جانب الحصار الخانق، والحزن المضاعف لفلسطيني المخيم على ما يحدث ضمن قطاع غزة، ينتشر حالياً ، مرض “التيفوئيد”، مع اشتباكات واقتتال في أشده على الجبهات الجنوبية داخل المنطقة. فتغيب مظاهر الاحتفال بشكل مطلق باقتراب عيد الفطر، ويكتفي الإنسان المحاصر بغسل أفضل ما يملك من ثياب و يتظاهر بأنها جديدة!.
في المقابل هناك من يحاول أن يرسم ابتسامة على وجه المخيم المتعب، حيث تنشط هيئات الإغاثة والجمعيات الأهلية ، بالتحضير لأشياء مختلفة في العيد، ” إحدى الهيئات قدمت للأيتام مبالغ مالية محدودة، بدل كسوة العيد، وأخرى تجهز لكرنفال متواضع للأطفال، ولكن المفارقة العجيبة أن معظم المساحات الفارغة التي كانت تستخدم كساحات للعب والمراجيح، أصبحت اليوم حقول تنمو فيها “الكوسا والبندورة”، وما إلى هنالك من حشائش يتغلب من خلالها أبناء المخيم على الحصار الذي يفرضه النظام”.
هذا ما قاله الناشط الإغاثي، قاسم ويضيف للعربي الجديد، ” بعد الانتفاضة التي شهدها المخيم على الدولة الإسلامية “داعش” وخروج مقاتليها منه، قد يطرأ اختلاف بسيط، فعوامل التوتر صارت أقل، و ممكن أن نشهد مظاهر قديمة مثل الدبكة الفلسطينية المختلطة، أو مهرجانات تعيد بعض الفرح المفقود”.
عيد حلب..
استنزف الشهر الفضيل جيوب أغلب أهالي حلب المنهكة أصلاً، ولكن بعضهم عازم على استقبال العيد بما تبقى له من المال ، تزامناً مع ارتفاع الأسعار المعهود في هذه الأيام ، فقد سجلت أسعار الملابس ارتفاعاً يتراوح بين 10 إلى 20 % . جاء ذلك في وقت أغلقت فيه أغلب المحال أبوابها ، بسبب كثافة القصف الذي تشهده المدينة ، ويعتبر سوق “سد اللوز” من أكبر الأسواق الشعبية في القسم الشرقي لمدينة حلب، حيث فاقت نسبة المحال المغلقة فيه 80% ، وما تبقى من هذه المحال يقوم بعمليات التصفية استعداداً لإغلاقها بشكل كامل.
تغيب الحلويات عن محال المدينة المتبقية، بسبب امتناع لأهالي عن الشراء، نظراً لارتفاع أسعارها، فقد وصل سعر الكيلو الغرام الواحد من صنف “المبرومة” إلى 2000 ليرة سورية، ناهيك عن غلاء مادة “الفستق الحلبي” المكون الرئيس لأغلب الحلويات الحلبية، ومن أهم هذه الأصناف وأشهرها “المعمول”.
إلى ذلك تعاني أغلب الجمعيات الخيرية من صعوبة العمل بسبب الأوضاع الأمنية المتردية ، حيث أفاد المنسق في جمعية “إيثار” الخيرية، محمد حافظ عن حالة شلل تام تواجهها أغلب الجمعيات، وتحدث عن استهداف متكرر للشاحنات المتجهة للمدينة. وأكد حافظ، على مسؤولية الجمعيات في مساعدة الفقراء خصوصاً في أيام العيد، وأن الجمعية بصدد دراسة بعض المشاريع.
في غضون ذلك كشف عضو مجلس مدينة حلب الحرة، محمد جليلاتي للعربي الجديد عن خطة يقوم بها المجلس، بالتنسيق مع إحدى الجمعيات الخيرية، لتوزيع ملابس الأطفال على العوائل الفقيرة. وأعلن عضو مجلس ثوار بستان القصر، أميروف الحلبي للعربي الجديد عن اعتزام المجالس وضع ألعاب للأطفال “مراجيح” في بعض الأحياء طيلة أيام العيد، ورفض الإفصاح عن تلك الأماكن خوفاً من استهدافها، مشيراً إلى أن المجلس يحاول وضعها في أماكن مغلقة، حتى لا يتم قصفها من سلاح الطيران التابع للنظام . وفي سياق منفصل فقد أعلن الجانب التركي المسؤول عن معبر “باب السلامة” السماح للسوريين الذين لا يمتلكون جوازات سفر ،بالدخول إلى الأراضي السورية عن طريق الهوية الشخصية ،لغاية انتهاء أيام العيد، لمن يرغب بزيارة ذويه .
خيام العيد واللجوء ..
في مخيم “ييلاداغي” على الحدود السورية التركية، اختُصرت العديد من طقوس العيد واقتصرت على التحضير لأداء صلاة العيد في خيمة كبيرة وسط المخيم، ومن ثم اجتماع الرجال في الساحة الرئيسية لمعايدة بعضهم.
تقول سمية (32سنة)من من ريف إدلب: ” لولا وجود الأطفال لكان يوم العيد حاله كحال أي الأيام العادية”، وتضيف بحرقة، ” لا بهجة ولا فرحة حقيقية إلا بعودتنا للوطن “.
أما النشاط الأبرز للعديد من سكان المخيم في هذا اليوم فيكاد يقتصر على محاولة التقاط بث شبكات الهواتف السورية للتواصل مع من بقي من الأصدقاء والأقارب في الداخل والاطمئنان عليهم، بالإضافة إلى نشاطات بسيطة تقتصر على افتراش الأرض ببسطات لبيع الألعاب البلاستيكية للأطفال وبعض السكاكر في محاولة للقول أن العيد قد مر من هنا.
ويبدو أن إرادة الحياة هنا تدفع البعض لمحاكاة ظروف العيد وأجوائه في بلادهم.أبو زياد المهجر من حمص يتحدث عن التغييرات التي طرأت على العيد بعد سنتين من الإقامة في المخيم قائلاً: ” أقوم كل عيد بدعوة أصدقائي في المخيم لتناول إفطار العيد سوياً كما كنت أفعل مع أخوتي و أقاربي في حمص، نجتمع في الخيمة ونأكل وبدون أن نشعر نبدأ باستذكار العيد في بلادنا وكيف وصلت بنا الحال إلى هنا “.
أما أطفال مخيم “نزيب” في مدينة غازي عنتاب، ورغم عدم وجود ملابس جديدة وغياب “العيدية”، التي كانوا يحصلون عليها من الأهل والأقارب صبيحة يوم العيد. إلا أنهم يصرون على سرقة فرحة العيد رغم الظروف التي استجدت على حياتهم.
الطفل رامي البالغ من العمر 12 سنة، جاء إلى المخيم من مدينة حلب برفقة أسرته يتحدث بضحكة بريئة: ” في العيد أخرج مع باقي الأطفال ونلعب بساحة المخيم، هنا لا تتوافر الألعاب التي كنت أستمتع بها عندما كان والدي يصحبني لمدينة الألعاب أول أيام العيد، كما أن بعض من سكان المخيم يوزع علينا الحلوى لدى مرورنا من أمام خيامهم”.
بينما ترى السيدة أم رنا أن كبار السن في المخيم ليس لهم نصيب من العيد،:” الكبار لا يفرحوا بالعيد عادة وتقتصر ممارساتهم على زيارة بعضهم للمعايدة والتمنيات بعودة الوطن، حتى أننا لم نعد نستطيع أن نُعد حلويات العيد كما في السابق بسبب ضيق الأحوال المادية، لكن يبقى مشهد الأطفال يتجولون بين الخيام ويلعبون، ما يفرح القلب ويشعرنا بوجود العيد “.
يحاول السوريون جاهدين أن يجدوا طعماً للفرحة وسط الظروف التي أجبرتهم على مغادرة ديارهم.إلا أن الكل يؤكد أن الفرحة الكبيرة هي بالانتصار والعودة إلى سوريا.
نقلا عن العربي الجديد
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث