الرئيسية / رأي / عنصرية وليست طائفية

عنصرية وليست طائفية

ثائر الزعزوع

طيلة أكثر من ربع قرن من الزمان نظر غالبية اللبنانيين
إلى السوريين باعتبارهم قوات احتلال، ولم يفرّق الكثير منهم بين قوات حافظ الأسد
ومن بعده ابنه، وبين الشعب السوري المطحون طحناً تحت الآلة الهمجية لهذه الطغمة
الديكتاتورية التي لم يعرف التاريخ الحديث لها مثيلاً، وقد تسبب خروج قوات بشار
الأسد من لبنان عام 2005 غداة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري
تسبب ذلك الخروج بردّة فعل عنيفة تجاه العمالة السورية في لبنان، فأُحرقت بعض
البيوت التي كانوا يقيمون فيها، وطُرِد بعضهم من عمله، بل إن حوادث قتل وتعذيب
تعرض لها بعض العمال السوريين في أكثر من منطقة لبنانية، وقد شكل مجلس الشعب
السوري آنذاك لجنة لمتابعة أمور العمال السوريين في لبنان وما يتعرضون له من
اضطهاد، وترأس اللجنة فيصل كلثوم الذي سيصبح فيما بعد محافظاً لدرعا، وسيكون أحد
أسباب تفجُّر الثورة السورية، وقد تواصلت معه وقتها للاطلاع على مستجدات ما يحدث
فقال ببرود: لا شيء، نحن نقوم بتوثيق الاعتداءات.

وقد تعرّض السوريون منذ بداية نزوحهم إلى لبنان غداة
اندلاع الثورة إلى أنواع شتى من الاضطهاد ليس أقلها كتابة لافتات شهيرة عن عدم
السماح للسوريين بالخروج في وقت متأخر من الليل، أو أن يقوم مجموعة من
“الصبية” المدفوعين من بعض التيارات السياسية بملاحقة صبية سوريين
وضربهم بالحجارة، وقد ارتفعت الكثير من الأصوات في لبنان ضد هذه العنصرية الغريبة
على المجتمع اللبناني، وتشكلت حركة مدنية ترفض هذه السلوكيات المشينة، وأنشأت تلك
الحركة صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبثت ما يمكن اعتباره رسائل توعية للحد من ظاهرة العنصرية التي بدأت تستشري في
المجتمع اللبناني تجاه اللاجئين السوريين والفلسطينيين الوافدين من سوريا، وقد
تكون الحركة حققت بعض النجاح في الأوساط الجامعية والطلابية خاصة، لكنها بكل تأكيد
لم تصل الوصول إلى كافة الشرائح اللبنانية، ولكن صورة الطفل اللبناني عباس وهو
ينهال بالضرب على الطفل السوري خالد هشمت كل ما يمكن تهشيمه من حركات مدنية أو غير
مدنية عملت لنبذ التمييز ضد السوريين في لبنان، وحوّلت القضية إلى قضية رأي عام
قرأها كل واحد منا حسب هواه الخاص، ولكن الأغلبية العظمى من التعليقات والتحليلات
أعادت الحادثة برمتها إلى أسباب طائفية، كون الطفل اللبناني عباس ينتمي إلى
الطائفة الشيعية، والطفل السوري خالد ينتمي إلى الطائفة السنية، وأميل أنا وبناء
على ما تقدم لقراءتها كنوع من العنصرية مسقطاً صفة الطائفية عنها، لأني أفترض أن
الطفل اللبناني اسمه محمد وأن الطفل السوري اسمه محمد أيضاً فما الذي كان سيحدث
وقتها؟ هل ستنهال التأويلات لتجير المسألة بأكملها ضمن السياق الطائفي للحدث أم
ستنحرف بوصلتها لتعتبرها إساءة عنصرية؟ على الأغلب لم تكن الحادثة لتأخذ هذا البعد
الدرامي والتحريضي الذي أخذته، وهي مستمرة بالتصاعد، وأنا بهذا لا أسقط من الموضوع
الاحتمال الطائفي، لكني أنحيه جانباً، وسأفترض تحقيقاً تلفزيونياً تجريه إحدى
القنوات التلفزيونية اللبنانية مع الجمهور اللبناني عن رأيهم بوجود اللاجئين
السوريين على أراضيهم، وستكون النتيجة كارثية بكل المقاييس إذ سيجمع أكثر من سبعين
بالمئة من أية شريحة عشوائية يتم توجيه هذا السؤال لها سيجمعون على أن وجود
اللاجئين السوريين ومعهم الفلسطينيون طبعاً سبب خراباً للبنان البلد الصغير محدود
الإمكانيات، وسنجمع إجابات ما كنا لنتوقعها أبداً خاصة، وأن ثمة أصواتاً برلمانية
لبنانية لا تكف عن تناول هذا الموضوع، لعل أشهرها صوت ممثل التيار الوطني الحر
التابع لميشيل عون والذي لا يكف عن اعتبار السوريين واحداً من أكبر كوارث لبنان،
يضاف إلى ذلك المشهد اللامعقول الذي نقلته عدسات التلفزيون اللبنانية إبان فترة
الانتخابات الرئاسية المسخرة التي أجريت في سفارة النظام في العاصمة اللبنانية
وذلك التوافد المحموم من قبل بعض المرتزقة الذين عبروا الحدود، وسجّلوا أسماءهم أو
جيء بهم بسيارات عسكرية لأجل إثبات صورة كوميدية تقلل من قيمة السوريين أكثر
فأكثر، فكيف يمكن لمهجر من بلده أن ينتخب رئيس النظام الذي كان سبباً ببلائه
ونزوحه؟

هذه كلها عوامل أساءت لسمعة السوريين، وشوّهت صورتهم،
طبعاً دون أن ننسى حوادث التفجير التي طالت عدداً من المناطق اللبنانية، والتي
وجهت أصابع الاتهام فيها لمقاتلي المعارضة السورية، أو لبعض الفصائل الراديكالية
التي تقاتل ضد النظام، يضاف إلى هذا كله السنوات الخمس والعشرون التي أمضتها قوات
آل الأسد محتلة للبنان.

وقد صورت بعض البرامج التلفزيونية اللبنانية الساخرة
المواطن السوري ساذجاً سخيفاً مغفلاً، لا يفقه من الحياة شيئاً، واجتهدت قناتا
lbc والجديد تحديداً في فن السخرية من السوريين حتى
حولتهم إلى مادة مغرية استطاعت من خلالها أن تجذب جمهوراً من المتفرجين، ومن بينهم
سوريون.

ولعل من زار لبنان من السوريين، حتى وإن كانت زيارته
عابرة سيخرج بانطباع أكيد أن اللبنانيين عموماً يتعاملون مع السوريين بتعالٍ،
ويحملونهم المسؤولية عن كل تلك السنوات من الاحتلال، يستثنى من هذه النظرة دائماً
طبقة لبنانية واعية دعمت الثورة السورية منذ انطلاقتها، وعدّت خلاص سوريا من
الديكتاتورية خلاصاً للبنان، والآن لنعد إلى عباس وخالد، هل سألنا أنفسنا من سرب
مقطع الفيديو ذاك؟ ومَنْ مِنْ مصلحته أن يصل هذا المقطع الذي تم تصويره بكاميرا
هاتف محمول كما هو واضح إلى العامة، وينتشر بهذه السرعة الجنونية؟ وما الغرض من
تسريبه إن لم يكن إشعال نار الطائفية أكثر وأكثر؟.

للتذكير فقط فإن الثورة السورية ليست ثورة طائفة ضد
طائفة، بل هي ثورة شعب ضد نظام ديكتاتوري، وضد استبداد دام طويلاً، هي ثورة كرامة
لعلكم تذكرون. وليست ثورة ضد عباس أو سواه.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *