سامر كعكرلي
يحتوي الموروث الثقافي الشعبي في سوريا على أن الشخص الذي يتعامل بالمخدرات، سواء تعاطٍ أو تجارة، يصنّف من حثالة المجتمع، ويفضل السوريون عدم التعامل معه لا مالياً ولا اجتماعيا، مهما كبر أو صغر شأنه. هذا بالنسبة للأفراد، أما الجماعات الذين يتعاملون بتلك السموم، فهم بنظر البسطاء السوريين عبارة عن مجموعات من المافيا التي تلوث مجتمعاتهم بتلك السموم.
وفي خبر ملفت، نقلت صحيفة التلغراف البريطانية عن وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية أنه تم مؤخراً اعتقال خلية تابعة لحزب الله تعمل على تهريب الكوكايين، في فرنسا، وتعد واحدة من أخطر عصابات المخدرات في العالم. مشيرة إلى أن العصابة تقوم بعمليات تمويل لحزب الله اللبناني، وأيضاً تبييض لأمواله.
أعادني خبر الصحيفة البريطانية للماضي وبالتحديد لعام 1987، حينها كنت طالبا في السنة الثالثة في قسم البساتين والحراج في كلية الزراعة – جامعة دمشق، والتي افتقد مخبر مادة النباتات الطبية والعطرية فيها لعينات مجففة لنباتي الحشيش والخشخاش لصعوبة تأمين نماذج من النباتين الممنوع زراعتهما في سوريا.
حينها، استعنت بقريب لي يقضي خدمته الإلزامية في الجيش السوري في لبنان، وتحديداً في منطقة “رياق” التابعة لمحافظة “بعلبك” اللبنانية، والذي قال لي حرفياً “هناك في قطعتنا العسكرية في رياق – بعلبك حقول كبيرة للحشيش والخشخاش، وهي تحت حماية قطعتنا العسكرية، لكننا لا نعرف لمن تعود ملكية تلك الحقول”. وبالفعل تم تأمين نبات كامل الأجزاء (حسب طلبي) من كل نوع، وتم التجفيف ليصبحان نماذج تدريسية تابعة لمخبر النباتات الطبية والعطرية في كلية الزراعة بجامعة دمشق.
لقد انتشرت زراعة المخدرات في لبنان تحت حماية الجيش السوري، الذي يرعى نقلها لسوريا أو للدول العربية وخاصة الخليجية، وذلك عبر ما كان يسمى “الطريق العسكري”.
وقد ذكر تقرير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات لعام 2000، بأنه ومنذ عام 1990 سُجّلت معامل معالجة الأفيون في المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام السوري. وأكد التقرير بأن سوريا لا تعتبر من الدول الهامة في إنتاج المخدرات على مستوى الشرق الأوسط، ولكنها تعتبر دولة مرور من لبنان إلى العديد من الدول، لا سيما الخليجية وتركيا.
وقد ذكرت منظمة “DEA” الأميركية الدولية لمكافحة المخدرات، أن نحو 70% من مخدرات الحشيش و”الهيروئين” و”الكوكائين”، هي من إنتاج لبناني محلي، تزرع في المناطق البقاعية الواقعة تحت سيطرة حزب الله. كما أن قسماً منها يزرع في مناطق الجنوب المحظور دخولها على قوى الأمن اللبنانية، ثم يجري تكريرها في مصاف يديرها عناصر من الحزب يؤمنون عمليات توزيع 50% منها في لبنان، والباقي يحاولون نقله إلى بعض الدول العربية والأوروبية.
أما بالنسبة لتجارة تلك السموم وتهريبها، فقد وجد حزب الله ضالته في النظام السوري، وقد استمرت عمليات التهريب بشكل منتظم إلى سوريا، ومنها إلى الدول الخليجية وبالأخص السعودية، حتى بعد خروج الجيش السوري مهزوما من لبنان في عام 2005، وذلك عن طريق رؤوس أغنام العواس التي تصدرها سوريا إلى السعودية، لصعوبة أو استحالة كشف تلك المخدرات بسبب اختلاط رائحة المخدرات التي تم تدريب الكلاب عليها مع رائحة الأغنام. هذا الأمر دفع الملك السعودي الراحل عبد الله إلى كتابة رسالة إلى رأس النظام السوري يطلب فيها مكافحة عمليات تهريب المخدرات بتلك الطريقة، فما كان من رأس النظام سوى تحويل الرسالة إلى وزارة الزراعة السورية، والتي أهملتها بدورها.
أتت الثورة السورية لتكشف زيف صفة المقاومة والممانعة التي يستخدمها مؤيدو الحزب لتبرير سعيه لإيجاد مصادر تمويل، حتى ولو تمثلت تلك المصادر بتجارة المخدرات. كما كشفت تلك الثورة مدى ارتباط النظام السوري بإيران، المالك الحقيقي لحزب الله اللبناني، وأن العدو الحقيقي لإيران وحلفائها هي البلاد العربية، وهي لا توفر طريقة لتحقيق حلمها في إعادة إمبراطورية فارس، حتى ولو كانت بتدمير شباب ومجتمعات الدول العربية بالسموم التي ينتجها حزب الله ويساعده النظام السوري في نشرها وتجارتها.
لربما كان هذا سببا إضافيا مخفيا من الأسباب الحقيقية التي تدفع حزب الله إلى الدفاع المستميت عن النظام السوري.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث