الرئيسية / سياسي / سياسة / حوارات / القاضي محمد نور حميدي لـ”صدى الشام”: إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي للفيدرالية يخالف وينتهك القانون السوري وهو سلب غير قانوني لسوريا الوطن الواحد

القاضي محمد نور حميدي لـ”صدى الشام”: إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي للفيدرالية يخالف وينتهك القانون السوري وهو سلب غير قانوني لسوريا الوطن الواحد

حاوره- مصطفى محمد

وصف قاضي النيابة العامة في محافظة إدلب، محمد نور حميدي، القضاء في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، بـ”قضاء الضرورة”. وحمل في حوار مع جريدة “صدى الشام”، كل من الفصائل ورجال الدين مسؤولية ابتعاد القضاة عن المحاكم التي شكلتها المعارضة. كما أبدى استغرابه من اعتماد بعض المحاكم على تقدير القاضي الشخصي في تحديد العقوبة. لكن حميدي، المنشق عن قضاء النظام، بالرغم من كل ذلك، اعتبر أن القضاء في المناطق المحررة أفضل من قضاء النظام “المسيس”. وفيما يلي نص الحوار الكامل:

– بداية، لكم تجربة طويلة نوعاً ما مع القضاء في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة. هلّا حدثتنا عنها؟

عقب انشقاقي عن النظام في العام 2012، قمت وزملاء لي بتأسيس محكمة بمنطقة حارم في ريف إدلب، تضم القضاة المنشقين عن النظام. استمر عمل المحكمة على مدار أكثر من عامين، وخلالها كنت أنا رئيس النيابة العامة في المحكمة، وكان معي عدة قضاة. كان العمل مثمراً، إلى أن جاءت نهاية المحكمة بعد إغلاقها من قبل تنظيم الدولة “داعش”، بتهمة الكفر، وذلك بسبب تطبيقنا في المحكمة للقانون السوري حينها. طبعا خلال تلك الفترة، كانت الفصائل متفقة على استقلالية المحاكم، ونظرنا في مئات الدعاوى، وشكلنا خلال تلك الفترة شرطة قضائية.

بعد قرار إغلاق المحكمة، خرجنا نحن القضاة، خارج العمل القضائي. كان هذا في إدلب، وقد شهدت حلب تجربة موازية تحت مسمى “القضاء الموحد”. أما في بقية المناطق المحررة، فكان القضاء مرتبط بسلطة الفصيل المسيطر على الأرض.

– “القضاء مرتبط بالفصيل المسيطر” يعني تعدد المحاكم والمرجعيات. لماذا لم نر جهازاً قضائياً مستقلاً في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة؟

تعدد المحاكم والإجراءات يعود إلى أن كل محكمة تتبع لفصيل ما. على سبيل المثال، في إدلب وحدها كان ولا يزال، هنالك عدة محاكم. طبعا لا يوجد تعاون بين هذه المحاكم، والإجراءات القانونية تختلف طبعا للناظرين في القضايا، كان هذا في وقت سابق.

القاضي محمد نور حميدي: يوجد الآن عدد محدود لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، من القضاة المنشقين في المحاكم القائمة في مناطق المعارضة.

– من خلال تواصلي مع جهات قضائية عدة، كان واضحاً أنهم يعانون من نقص في الكوادر. أحد الشرعيين قال لي حرفياً “غالبية القضاة لم يتركوا النظام، ومن ترك منهم النظام، غادر البلاد”، ما ردك هنا؟

القضاة موجودين، لكن العلاقة التي يجب أن تقوم بيننا لم تقم على أساس سليم. لقد فُرض عليّ أن أكون على رأس محكمة ما، مقابل أن تسير المحكمة بخطة موضوعة مسبقاً، وأنا رفضت العمل حينها.

– هل تشير هنا إلى دور رجال الدين؟

نعم، رجال الدين لا يقبلون أن يكون إلى جانبهم قاضٍ مدني، لأن وجوده يلغي وجودهم. هذه هي الإشكالية الأساسية التي أفشلت القضاء.

نحن حوالي 87 قاضيا منشقا عن النظام في عموم البلاد، وكان يمكن الاستعانة بكل هؤلاء.

– حسب معلوماتك كم يبلغ عدد القضاة الذين لا يزالون في الداخل من أصل الـ87 قاضيا الذين تحدثت عنهم؟

الثلث تقريباً

– هل يستطيع هذا العدد القليل الإشراف على عمل المحاكم؟ وعلى ذلك، يمكننا القول أن رجال الدين لم ينخرطوا بالعمل من تلقاء نفسهم، وإنما كانوا مجبرين لسد النقص؟

من الناحية الرقابية يستطيع القضاة الموجودون ذلك، ويمكن للقاضي الاشراف على أكثر من محكمة. طبعا بوجود إجراءات محددة، وعقوبات محددة بنص. وهذا سهل جداً. طبعا لا بد قبل ذلك من اختصار عدد المحاكم، فلماذا كل هذا العدد؟ لو تحدثنا عن إدلب، نستطيع أن نغطيها بمحكمتين فقط، أي لا حاجة لعشر محاكم. يوجد الآن جهود لتوحيد القضاء.

– عدى عن منافسة رجال الدين، معظم الفصائل كانت تنظر إلى القانون السوري على أنه “قانون علماني”، ومن هنا قد يكون مرد رفضكم أنتم القضاة من هذا القبيل؟

وأبعد من ذلك، لا زالوا ينظرون إلى القانون السوري على أنه قانون “آل الأسد”. وهذا المطب الرئيسي الذي سبب الفجوة القضائية في المناطق المحررة.

القاضي محمد نور حميدي: القانون السوري وجد قبل تولي الأسد الأب للسلطة، وهو من أرقى القوانين الموجودة في العالم، ولا يتناقض إلا في جزئيات، مع المطالب الشعبية الحالية.

القانون السوري وجد قبل تولي الأسد الأب للسلطة، لكن هذا لا يعني أن القانون السوري هو قانون سليم، وخصوصاً عند النظر إلى المراسيم التي حاولت التلاعب به. لكن الأصل في القانون السوري العراقة، والقانون السوري يعتبر من أرقى القوانين الموجودة في العالم، ولا يتناقض إلا في جزئيات، مع المطالب الشعبية الحالية.

– وكأنك تشير هنا إلى المطالب الإسلامية؟ السؤال هنا هل يتعارض القانون السوري مع الشريعة الإسلامية؟ وإلى أي مدى كان تطبيق الشريعة الإسلامية أحد النقاط الخلافية؟

سأجيب عن الشق الأخير أولاً. لقد وقعنا في مطب بسبب فهم القانون السوري على أنه قانون ضد الشريعة. على سبيل المثال، لو أتينا على قانون الأحوال الشخصية، نلاحظ اعتماد القانون على المذهب الحنفي كمصدر تشريع، وهذا مطابق تماماً للدين الإسلامي، وكذلك القانون المدني، باستثناء مواد محدودة قد تكون مخالفة للدين الإسلامي (الفائدة وغيرها). لكن المعضلة في قانون العقوبات، لأن هناك بعض المواد تخالف الدين، وخصوصاً في عقوبات الحدود. لكن هذا لا يعني أن القانون غير قابل للتعديل عبر إيجاد صيغة مقبولة.

– وأنت تتحدث عن “صيغة مقبولة” لتعديل القانون، يجدر بنا السؤال هنا عن “تقنين الشريعة”، هل حاولتم العمل على ذلك؟

كان لي تجربة مع ذلك. عقدت اجتماعات مع رجال دين، وتحدثنا عن ضرر ترك الحكم فضفاضاً. وقلت لهم أن علينا أن نبحث عن صيغة نجمع بها رأي الشرع والقانون معاً، للوصول إلى تحقيق العدالة. لكن للأسف، خلافنا كان كبيراً. من الطبيعي أنا شخصياً كمسلم ألّا أعارض تطبيق الشريعة الإسلامية، لكن نحتاج إلى محددات لهذا التطبيق.

بالمقابل كان لهذه المحاكم إيجابية، فقد منعت حدوث الفوضى، وتعتبر محاكم ضرورة.

القاضي محمد نور حميدي: لقد منعت المحاكم الموجودة حاليا، رغم إشكالياتها، حدوث الفوضى. وهي تعتبر محاكم ضرورة.

– قضاء ضرورة في إدلب وحلب وباقي المحافظات الأخرى؟

نعم هو قضاء ضرورة قولاً واحداً.

– في ظل كل ما تحدثت عنه من اختلاف وانقسام، السؤال هنا ما هي المرجعية القانونية التي تستند إليها المحاكم في مناطق المعارضة في الوقت الراهن؟

بعض المحاكم تعتمد على خليط القوانين؛ الإجراءات فيها تكون أقرب إلى القانون السوري، وفي الأحكام تكون أقرب إلى القانون العربي الموحد. وبعض المحاكم تطلق أحكاما بدون مرجعية، ونلاحظ أحياناً إجراءات غير موجودة بكل القوانين.

القاضي محمد نور حميدي: بعض المحاكم تطلق أحكاما بدون مرجعية، ونلاحظ أحياناً إجراءات غير موجودة بكل القوانين.

– تلخيصاً لما ذكرت، يمكنني القول أن بعض المحاكم تعتمد على “الشخصنة”، أو على مدى تقدير القاضي، ألا يعد هذا كارثياً؟

صحيح. وحتى القانون العربي الموحد ليس قانونا بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما هو مشروع قانون عرض على مجلس الجامعة العربية ولم يصوت عليه حينها.

– وماذا عن دور “جبهة النصرة”، وهل تتعامل مع المحاكم التي شكلتها المعارضة؟

أقامت النصرة المحاكم في المناطق التي تقع تحت سيطرتها. وهذه المحاكم كما ذكرت لك، هي محاكم ضرورة. محاكم “جبهة النصرة” مستقلة، ولها توجهها الخاص الذي يتوافق مع مشروعها.

– كثير من الخلافات الفصائلية الداخلية لم تكن لتتطور بوجود قضاء مستقل. لماذا لم تكف الفصائل يدها عن القضاء؟

وجود القضاء الموحد ضمن جهة واحدة يساعد على الاستقرار، ويجنب الكثير من الفتن فيما بين الفصائل. ونلاحظ في الوقت الحالي أن الاختلاف يكون دائماً على المرجعية القضائية، في حال نشوب خلاف.

القاضي محمد نور حميدي: قمنا بتأسيس محكمة جنايات خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب، ونقوم في الوقت الراهن بتوثيق الجرائم والانتهاكات

أود أن أشير هنا أننا ومجموعة من القضاة الأحرار في الداخل السوري، قمنا بتأسيس محكمة جنايات خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب، ونقوم في الوقت الراهن بتوثيق الجرائم والانتهاكات، وحالياً لدينا حوالي 2500 ادعاء من مختلف مناطق سوريا.

-هل تتعاونون مع جهات حقوقية دولية كمرجعية لمحكمتكم الخاصة هذه؟

لنا امتداد وتواصل مع جهات دولية عدة، وتلقينا وعوداً بأن تتابع تحقيقاتنا في محاكم دولية.

– هناك من يتهم المعارضة بأنها أعادت إنتاج قضاء النظام في مناطقها، وذلك في إشارة إلى منطق “حكم القوة”، ما ردكم هنا؟

للأسف كثير من الأشخاص ركبوا موجة الثورة، وهم ليسوا ثوارا أساساً، لكنهم عبارة عن أشخاص مأجورين من قبل النظام، وحتى ممن أعلنوا انشقاقهم على كل المستويات (العسكري، القضائي، الشرطة)، لتشويه صورة الثورة، ولحرفها عن مسارها. عموما، هم استغلوا عدم وجود الجهة المحاسبية، وبالتالي ساهموا بانتشار الفساد.

– أفهم من سياق حديثك أنك غير راض عن القضاء في مناطق المعارضة؟

نعم بالتأكيد لست راضياً؛ لعدم وجود مرجعية واحدة، ولتعدد الأحكام، وعدم وجود حجية مطلقة للأحكام. وبالتالي، علينا إعادة النظر في التركيبة القضائية، للنهوض بهذه المؤسسة.

– يبدو أن القضاء لدى النظام رغم كل عيوبه، هو أفضل من القضاء في المناطق المحررة؟

لا أتفق معك. القضاء هناك مسيس؛ النظام لم يترك لنا الحرية سابقاً، وكان يتدخل بالصغيرة قبل الكبيرة، وكان كثير من المجرمين فوق القانون، طبعاً ولا زالوا. أتحدث هنا عن فترة ما قبل الثورة.

وبالعودة إلى سؤالك، مهما كان القضاء سيئاً في مناطقنا، لكنه يبقى أشرف من القضاء لدى النظام، ومهما عانينا ومهما ظلمنا فنحن سعداء، لأننا تخلصنا من عصابة لا تمت للإنسانية بصلة.

– ختاما وفي موضوع مغاير، ما هو رأيكم القانوني في إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي للفيدرالية، في الشمال السوري؟

لقد أعلنا عن رفضنا القاطع في مجلس “قضاة سوريا الأحرار” لهذا السلب غير القانوني لسوريا الوطن الواحد التي نعرفها. وما جرى يخالف وينتهك القانون السوري.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

قرار أممي ينهي العزلة عن دمشق ويفتح مرحلة جديدة من الانفتاح الدولي

أنهى مجلس الأمن الدولي واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيداً حين صوّت بأغلبية 14 دولة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *