الرئيسية / رأي / هل هزمت تركيا أمام إيران؟

هل هزمت تركيا أمام إيران؟

عبد القادر عبد اللي

 

لعل إيران وتركيا لم تحسبا أن تكون سورية ساحة لتصفية حسابات تاريخية بينهما عندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية في شوارع المدن والأرياف السورية المطالبة بالإصلاح في البداية. ولكن نزول قوات حزب الله رسمياً، والحرس الثوري الإيراني بشكل غير رسمي إلى الشوارع السورية بعد أشهر من اندلاع تلك الاحتجاجات، كانت رسالة واضحة. حتى إن هناك كثيراً من الإيرانيين نبشوا الدفاتر القديمة لتشكيل قوائم الثأر، ووجدوا في سجلهم ثأراً آخر اسمه تشالدران (جالدرين)، فدخولهم إلى سورية لم يكن ثأراً للحسين فقط، بل ثأراً لمعركة تشالدران التي قادها من الجانب العثماني السلطان التاسع سليم الأول (الجبار)، وأول الخلفاء الأتراك، وقضى فيها على أول شاه تشيّع، وتبنى الشيعية مذهباً رسمياً للدولة، وهو الشاه إسماعيل الصفوي. ولا ندري هل مصادفات القدر أن يكون إسماعيل الصفوي تركياً وسليم الأول تركياً في تلك المعركة، ويكون شاه إيران اليوم علي خامنئي تركياً في مواجهة مع تركيا؟

لقد تطورت الأمور في سورية إلى أن دخلت إيران الحرب بشكل رسمي ومباشر، بينما بقي الأتراك طرفاً غير مباشر، فهنالك من يقاتل باسمهم على الساحة السورية. ولم تبق الأمور عند هذا الحد، فزج بحزب العمال الكردستاني، لتفتح جبهة أخرى بالوكالة ضمن تركيا، ولكن الطرف التركي في هذه المعركة يقاتل بشكل مباشر، والطرف الإيراني هو الذي يقاتل بالوكالة.

خمس سنوات والحرب مستعرة. صحيح أن سورية دفعت ثمناً يكاد يكون الأكبر في التاريخ، فحتى الآن ليس هناك إحصائيات دقيقة لحجم الخسائر، ولا يمكن أن تحصى خلال فترة قصيرة. ولكن ما هو الوضع لدى الطرفين شبه الأساسيين في القضية السورية؛ تركيا وإيران؟ لقد أصبحت القضية السورية تهدد كيان الدولة التركية، فالحرب المستعرة داخل حدود الجمهورية التركية جزء لا يتجزأ من القضية السورية، والدور الإيراني فيها معلن وواضح، وهي وحدها تهدد وحدة تركيا. وهناك تراجع في أحزاب المعارضة، وإصرار القيادة “الطائفية” للتيار “العلماني” الذي يعلن أنه يمثل “اليسار الديمقراطي”، وهو حزب الشعب الجمهوري، على البقاء في هذا الموقع مهما بلغت التكاليف، ويقدم نموذجاً للولاء الطائفي للولي الفقيه. حتى إنه في سابقة لم يشهدها التاريخ التركي، يعلن أحد نواب هذا الحزب من على منبر مجلس الأمة الكبير “البرلمان”، أنه فيما لو نشبت حرب بين تركيا وإيران، فسيكون موقفه إلى جانب إيران، ويتبعه بهذا الولاء اليسار التركي كله، يشكل تهديداً إضافياً لبنية الدولة التركية.

على الجبهة الأخرى لا أحد يعرف مدى الشرخ الذي حدث في إيران نتيجة هذه الحرب، فذلك البلد تنطبق عليه تسمية الستارة الحديدية التي يعجز المراقب عن التنبؤ بما في داخلها، ولكن نموذج دول الستارة الحديدية يعيش على الانتصارات والأزمات الخارجية، فهو مضطر لتحقيق الانتصارات الخارجية. ولعل سورية أهم الساحات التي يُعلّق عليها الأمل، ولا يمكن أن يُبقي على جمر أزماته تحت الرماد دون الانتصار في سورية، وهو يدرك أن معركته في سورية مصيرية.

عندما دخلت روسيا الحرب في سورية بشكل علني، وتابعت ما عجزت إيران عن فعله من تغيير ديمغرافي في سورية، تعمق المأزق التركي، ووجد اليسار التركي متنفساً كبيراً. فقد كان هذا اليسار يخجل من تبعيته للإمام الفقيه، وفي كثير من الأحيان ينكر هذه التبعية، ويعتبر تطابق وجهات النظر والمواقف بينهما محض مصادفة. فالتبعية للمافيا الروسية أقل وطأة، وخاصة أن هذا اليسار يعتبر نفسه يحارب الإسلام السياسي، فكيف سيكون مريداً لدى إسلام سياسي ويحارب إسلاماً سياسياً؟

لو استعرضنا المواقف التركية من الوضع السوري كلها طوال السنوات الخمس وخطوطها الحمر، من عدد مائة ألف لاجئ، وعدم السماح بحماة ثانية، وصولاً إلى المناطق الآمنة والوفد المفاوض لوجدنا أنها من تراجع إلى آخر، إن لم نقل من هزيمة إلى أخرى، فهي لم تستطع أن تفعل شيئاً. وهناك من يقول، ويقدم الدلائل على أن الولايات المتحدة هي التي لم تسمح لها بعمل شيء. ولا تخفي الولايات المتحدة هذا، فالتصريحات الأمريكية عموماً تتعارض مع المصالح التركية، وتبقى الولايات المتحدة صاحبة القرار الحاسم في قضايا المنطقة مهما كانت بعيدة أو تظاهرت بالبعد.

تحاول أميركا تسويق النظام السوري من جديد، فالثنائية التي وضعها النظام السوري “الأسد أو لا أحد” عدلتها إيران إلى “الأسد أو داعش”، وعندما فشلت إيران بإنهاء الطرف الثالث من المعارضة السورية المسلحة، جاءت تساعدها روسيا. ولا يخفى على أحد أن الطرف الثالث في المعادلة هو الطرف المدعوم تركياً، والولايات المتحدة ليست بعيدة عن هذا الأمر، فهي أيضاً تقول إن البديل عن الأسد هو داعش، وإن كانت تكذب وتعرف أنها تكذب، ويعرف العالم كله أنها تكذب، وهي تعرف أن العالم يعرف بأنها تكذب. ولكن الولايات المتحدة وجدت مصلحتها بأن تقول لا يوجد سوى داعش والنظام، وهكذا يجب استرضاء النظام من أجل القبول ببقايا المعارضة خارج داعش والنصرة، وننهي الأمر.

ولكن هل ينتهي كل شيء؟ هل تخرج تركيا مهزومة أمام إيران، وتستسلم؟ وفيما لو استسلمت، هل ستبقى تركيا الحالية كما هي؟ أو هل تقبل الإمبراطورية الفارسية الممتدة من الصين إلى البحر المتوسط ببقاء تركيا الحالية كما هي؟

أسئلة بالعمق يعرفها الأتراك جيداً، فماذا سيفعلون بالمقابل؟ هل يعتبرونها جولةً، وأن المعركة لم تحسم بعد، والقضية مازالت بعيدة عن الحل، وفي جعبتهم خطط أخرى؟

لعل فرض الولايات المتحدة نظام الأسد وراعيته إيران في سورية، يعطي إيرانَ جرعة حياة قوية للاستمرار بالتمادي، ولكن هل من مصلحة الولايات المتحدة القضاء على تركيا الحالية؟

مازال المسؤولون الأتراك صامتين إزاء التحركات السياسية الأخيرة، وإحدى قراءات الصمت هو تقبل الهزيمة، ولكنه لا يعني دائماً تقبل الهزيمة…

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *