الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / كسر التوازن واستعادة الثورة

كسر التوازن واستعادة الثورة

عمّار الأحمد

ربطت الكتلة الأكبر من المعارضة، قضية انتصارها منذ البداية بالتدخل الخارجي، ولذلك كررت دون ملل أو كلل متلازمة؛ أن سقوط النظام مرتبط به. قالت المعارضة ذلك كتلة وأفراد. ومنذ ثلاث سنوات وحتى لحظتنا الراهنة أصبح الشكل السائد للثورة هو الحرب، وأصبحت الكتلة الأكبر في الجناح العسكري هيالإسلامية، وفيها تيارات متباينة أخطرها (داعش والنصرة وأحرار الشام) وتفريعات أخرى. هذه القوى لا تنتمي للثورة ولا يعنيها إسقاط النظام بقدر ما يعنيها تحقيق مشروعها الأصولي والطائفي.

إذا الاعتماد على الخارج ترك الداخل نهباً للجماعات الإسلامية، التي تتغذى بدورها من الخارج ولكنها توطّن نفسها داخلياً وتسعى إلى بناء إماراتها الطائفية الطوباوية. والحصيلة أن المعارضة بوجههاالتقليديوالإسلامي تابعة لدول ومنظمات خارجية؛ بينما النظام بدوره تابع إلى إيران وروسيا وحزب الله، وبالتالي الحرب إقليمية دولية بامتياز، وتعكس صراع المصالح، وإذا ذكرنا الحلفالمقدسللنظام، فإن المعارضة تستقيقوتهامن تركيا وقطر والسعودية ومنأصدقاء سورية“.

وجود توازن إقليمي في علاقات دول المنطقة يساوي داخلياً حرباً مفتوحة، ليس بها انتصارٌ؛ لا للنظام ولا للمعارضة. إذا هناك تدمير مستمر وقتل بلا حدود للسوريين. المعارضة لا تجد أي حل خارج ذلك، وهذا ما يحول الائتلاف الوطني إلى جهة سياسية متسلطة على شعب ثائر وأغلبه مهجر، وإلى كتائب مقاتلة وتابعة للخارج، الإقليمي والدولي.

إيران الآن تجري تفاوضاً مع الدول العظمى بشأن برنامجها النووي، وتسعى لتكون دولة إقليميةعظمىمن خلال ذلك، وتستفيد من تنامي العلاقة بينها وبين أمريكا، لذلك رفضت الدعوة السعودية للتشاور بشأن ملفات المنطقة، والتي تبدأ بسورية ولبنان واليمن والخليج عامة. إنها غير مستعجلة وبالتالي ستبقي دعمها المطلق للنظام، والدول العظمى تجري مفاوضاتها معها، بينما يستمر في سورية الدمار والصراع العبثي. ربما الثورة العراقية ستخلط كل الأوراق. فهي ستجبر إيران على إعادة النظر بإستراتيجيتهاكإمبريالية صغرىفي المنطقة.

انتصرالرئيس على الشعب في انتخاباته، وفي جبهات القتال هناك انتصارات، ومنها جبهة حمص، وبالتالي ألغي ملف الحل السياسي وفق جنيف بالكامل. كيري في لبنان يطلب من روسيا وإيران وحزب الله أن يعتمدوا الحل السياسي. والكلام عن أسلحة أمريكية فتاكة تصل للمعارضة أقرب للمعركة السياسية الداخلية الأمريكية. إذا سيكمل الأسد مشروعهالإصلاحيوسيشكل حكومته، وربما يستدعيمعارضاما ويقلده رئاسة الحكومة، وبذلك ينهي فصل الحوار مع المعارضة.

وتأتي الثورة العراقية لتجبر المالكي على سحب مليشياته، وهذا ما سيغير موازين الحرب على الأرض في سورية لجهة الثورة، لكن ذلك غير ممكن دون إستراتيجية عسكرية وسياسية تلتقط الجديد هذا.

طبعاً كل الحسابات الإقليمية المتعلقة بضرورة الحوار والحل السياسي، بسبب عدم استقرار المنطقة، والنزيف الإيراني، المالي والبشري، وسقوط سمعة حزب الله عربياً، والدعم المحدود للمعارضة وعدم قدرة النظام على الحسم؛ كلها قضايا صحيحة، ولكنها لا تستعجل الحل ولا تكسر التوازن. فالنظام لا يعنيه تحقيق انتصار كامل كذلك، ولذلك يجريمصالحاتفي مناطق، قد يبقى بعضها بيد الثوار، بينما يترك الداخل يتعفن في حروب بين الكتائب المتقاتلة وبين الناس، ويعمل للسيطرة على قلب المدن وترك الأرياف؛ وهذا جزء من إستراتيجية هذا النظام في الحرب ومنذ البداية؛ التوازن الإقليمي والدولي الحاصل يسمح له بذلك مجدداً. الثورة العراقية ربما تكسر هذا التوازن.

الشعب الذي أبعد عن الثورة بفعل تدمير النظام للمدن والبلدات، وبسبب النزعة التكفيرية لبعض الكتائب الأقرب لفكر القاعدة ونهجها، وسواء أبقي داخل سورية أم خارجها، هو طكتل بشريةمتروكة لمصيرها وغير مفعّلة، وممنوع عليها الدخول في السياسة، وهنا ننتقل، وبالمعنى الدقيق من استبداد شمولي إلى استبداد كتائبي.

أغلب أشكال الوعي المسيطر على أذهان تلك الكتلة البشرية، أنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً. فالنظام لا يتوقف عن رمي البراميل المتفجرة، والكتائب لا تتوقف عن حروبها العبثية فيما بينها، أو مع النظام، أو ضد الناس العاديين، وبالتالي يتم إبعاد الناس عن السياسة، ما يحدث فرقاً في المعادلة الإقليمية والداخلية متعلقاً حصراً بدور الشعب مجدداً، بعودته إلى مختلف أشكال الاحتجاج والتعبير والتظاهر والمطالبة بحقوقه.

تمرد الشعب ضد داعش أحيانا، وضدالاتحاد الديمقراطي الكرديتارة، وكذلك ضد الائتلاف، ولكن لم يشكل تيارات واسعة، سياسياً وشعبياً في هذه المعركة. هذا الشكل من الرفض سيستمر ولكن قيمته تعلو حالما يشكل شبكاته السياسية على مستوى سورية بأكملها. هو سيكون أعزلاً لأنه سيحاصر من قوى الأمر الواقع في الثورة، ومن الخارج الإقليمي الداعم للكتائب وللمعارضة، والنظام لن يرحمه بالمطلق، وبالتالي هناك تعقيدات كبيرة تقف أمامه.

نبسط فكرتنا. لا كسر للتوازن الداخلي ما دامت الأطراف المتقاتلة تابعة لتوازن إقليمي صلب، وما يحدث مؤخراً في العراق سيساهم في توازن جديد. الكسر الفعلي يأتي حصراً من استعادة دور الشعب؛ وهو بكل الأحوال من حرر أغلب سورية من يد النظام قبل تكريس الحرب كشكل أقرب للوحيد للثورة. والسؤال هل هذا الأمر بمقدوره؟!

ننطلق بفكرتنا هذه من أن النظام، ورغم مسألة التوازن التي بدأت بالاهتزاز مع المعطى العراقي، فهو ضعيف، وقوته تتأتى من الدعم الإقليمي والروسي، ومن توظيفه الطائفية لإيقاف انهياره. والمعارضة ضعيفة بسبب عدم قدرتها على الحسم، وضعف الدعم الإقليمي والدولي، وبسبب عدم رفضها الكامل لكل التنظيمات الأصولية، ولكنها تظل مسيطرة على جزء كبير من سورية. في وضع كهذا يمكن للشعب استعادة المبادرة، فهو صاحب الثورة، وهو متضرر من النظام ومن الكتائب الأصولية على حد سواء، وهو الكتلة البشرية الأكبر، القضية الأساسية في شكل الوعي المسيطر، إضافة لما ذكرناه.

إذاً تغيير شكل الوعي هو المسألة الحاسمة، إضافة لتشكيل شبكات سياسية وطنية. تغيير الوعي مرتبط بتحديد دقيق لأهداف الثورة، والبدء من رؤية وطنية حيالها، تبدأ من أن الثورة لكل السوريين ورفض كل ملمح طائفي ونزع الشرعية عن المعارضة، كما نزعَت الشرعية عن النظام من قبل، وإيجاد قيادة داخلية ميدانية، ورفض كل أشكال التبعية الإقليمية والدولية، واعتبار الثورة من أجل التغيير والإصلاح في كل مناحي الحياة، وبما يخدم مصلحة الكتلة المفقرة من السكان، واعتماد المظاهرات الشعبية خياراً رئيسياً للمطالبة بأي حقوق سياسية أو اقتصادية أو سواها.

ما نقوله متعلق بأن لا خيارات وفق التوازنات الحالية، وحتى مع الثورة العراقية سوى العودة للشعب. البديل عن ذلك، كما نرى هو استمرار القتل والدمار والتفتت المجتمعي، وبروز إمارات طائفية أكثر فأكثر، واحتراب قد يتخذ صوراً طائفية ومذهبية وحروباً مجتمعية كبيرة.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *