نبيل
شبيب
لابد
لنا لكي نتخذ موقفاً مناسباً، ونتصرّف، وفق طاقتنا، تصرفا مناسبا، أن نفهم ما يجري
من أحداث. ولكن كيف يجب أن يتم ذلك؟
الكلام
هنا عن الوعي السياسي، وليس عن الممارسة السياسية، وهو كلام عام يسري على كلّ قضية،
إنما يوضع للتوضيح عبر السطور التالية- في نطاق قضية الثورة الشعبية في سوريا،
مثالاً على سواها، فتصبح كلمة “نفهم” أعلاه بمعنى نحن الذين يهمهم أمر
هذه الثورة وتحقيق التغيير المنشود الذي فتحت أبوابه.
هنا
نقف أمام معضلتين كبيرتين تعترضان مسيرة “وعينا” السياسي:
أولاهما،
أن ما أصبح يرتبط بسوريا محلياً وإقليمياً ودولياً بلغ درجة من التعقيد، ووصل إلى
مستوى الفتن والمحن، مما يجعل الحكيم حيران كما يقال.
والثانية،
أننا نريد فهم هذه الأحداث المعقدة سياسياً، و”نحن” الذين نخلف وراءنا
عقوداً مما نسميه “القحط السياسي المطلق”.
هذا
وذاك -ووطأة الأحداث الجارية- جعل الأصوات المتسائلة عن سبل الوعي أو التوعية
السياسية تزداد في الوقت الحاضر بشكل ملحوظ، وهنا نواجه معضلتين أيضاً:
الأولى،
أن المتسائل ينتظر الجواب غالباً بطريقة سبق تعويدنا عليها، أي الإلقاء من طرف،
والتلقي من طرف آخر، ولا يفيد أسلوب “التلقين” في تحقيق غرض
“الاستيعاب السياسي” لما يجري، فالوعي ليس معلومات تحفظ، بل هو تفاعل
شخصي يتقن أو لا يتقن.
والثانية،
أن ما يوصف بالقحط السياسي، لا يقتصر على من شاع وصفهم بأهل الثورة في الداخل، كما
يزعم بعضنا، فالنسبة الأعظم ممن قضوا عشرات السنين في الشتات والمغتربات لم يعطوا
السياسة أصلاً، ناهيك عن “الوعي السياسي”، مكانة متقدمة في اهتماماتهم،
لأسباب لا يفيد البحث فيها هنا.
.
. .
لا
يعني ما سبق أن الطرق مسدودة، ولكن يعني ضرورة التنبيه إلى أمرين اثنين:
الأمر
الأول تحذيري: ليس كل من يتقن صنعة الكلام متمتعاً بالوعي السياسي لنفسه، ناهيك عن
قابلية أن يكون طرفاً يصلح لتوعية سواه.
الأمر
الثاني والأهم: أنّ بعضَ مَنْ ينظر إليهم خارج الوطن، بمن فيهم من خرج حديثاً،
بذلوا أو بذل بعضهم أثناء أعوام الثورة جهداً مضاعفاً لكسب الوعي السياسي، واعتمدوا
على وسائل إعلام وعلى كتابات ومحاضرات ومؤتمرات وربما دورات تأهيلية، كان من وراء
معظمها جهات غربية باعتبارها حالياً “المصادر الرئيسية” للوعي السياسي،
بحكم الهوة الحضارية والمعرفية المعروفة، ولكن يبقى ثابتاً -بعيداً عن أيِّ اتّهام
بالنوايا التآمرية – أن لهذه الجهات بطبيعة الحال “منظورها الغربي”
فكراً وثقافةً ومعرفةً وعلماً وخبرة وأهدافاً.. وليست فترة السنوات المعدودات
كافية لأي فرد منا، كي يميز بين ما هو “علم محض” وما هو “موقف
معرفي ذاتي”، أي أن الوعي السياسي المكتسب بهذه الطريقة يحتاج إلى جرعة كافية
من التمحيص وربط حصيلته بمعطيات “أحداث بلادنا” وموقعها عالمياً، من
منظورنا التاريخي والحضاري والمعرفي والمعاصر بتقلباته التغييرية، وكذلك المنظور
المستقبلي المنشود.
ليست
التوعية السياسية أمراً بسيطاً، أو بتعبير آخر لا يمكن تشبيهها بحرفة مهنية،
يتعلمها المرء، فإن اجتهد ثم زاولها حقبة من الزمن أتقنها، فالتوعية السياسية
مرتبطة بعناصر عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر:
مستوى
المعرفة العامة، عمق المتابعة للأحداث، الانفتاح الذاتي على ما يراه الآخرون،
المعرفة بجذور القضية المرتبطة بحدث آني معاصر، القدرة على المقارنة واستخلاص
النتائج.. وغير ذلك كثير.
ولكن
توجد قواعد مبدئية يساعد الأخذ بها على نمو الوعي السياسي الفردي، وبالتالي
الجماعي المشترك، ولعل كُلاً منها يحتاج إلى شرح وتفصيل، ولكن لا أقل من ذكر
العناوين بصيغة أسئلة، في إطار هذه السطور المعدودة:
ما
الثوابت الكبرى في “المنظومة السياسية الدولية” القائمة منذ الحرب
العالمية الثانية، من مبادئ ومثل والتزامات؟
ما
المرتكزات الكبرى لمنظومة العلاقات والمعاملات الدولية القائمة، سياسة وأمناً
ومالاً واقتصاداً، وما طبيعة شبكات صناعة القرار من خلالها؟
ما
مفاصل “الارتباطات القائمة وفاعليتها” بين صناعة القرار دولياً وصناعته
وتنفيذه أو تنفيذه فقط إقليمياً ومحلياً على مستوى كل بلد على حدة؟
ما
حجم “المعلومات” المتوافرة لدى الحريص على الوعي السياسي بقضيته.. على
صعيد تاريخ تلك القضية، وواقعها، والقوى المؤثرة، والقوى المتأثرة بها؟ ثم علاقة التفاعل
المتبادل بين هذه القضية ذات العلاقة بالأحداث التي نريد الوعي السياسي بها،
وقضايا أخرى، ولا سيما في دائرتنا الحضارية؟
إن
التجرد الموضوعي مطلوب، ولكنه أمر نسبي، فلا “كاتب هذه السطور” ولا
سواه، يمكن وصوله إلى الحد المثالي.
والتجرُّد
الموضوعي بالمقابل ينطوي على خطر أن يمارسه طرف ولا يمارسه الطرف الآخر الذي
يتعامل معه، فهنا يغلب “رأي أو هدف ذاتي” على “المعلومة” وإن
كانت ثابتة ظاهرة بينة، فيختل ميزان العلاقة والتعامل بين الطرفين.
.
. .
ما
سبق من أسئلة يدور حول أمور يجب أن نشتغل بها، إذ يعتبر العلم بها ضرورياً للوعي
السياسي، ولكن هذا القسط من العلم يمكن تحصيله بالسعي الجاد والصبر على المواصلة
دون انقطاع.. وتوجد أسئلة أخرى، هي التي تشغلنا عادة، لارتباطها المباشر بمجرى
الأحداث الذي نعايشه ونتأثر به، وسبقت الإشارة إلى أن الحديث هنا يقتصر على
“الوعي” السياسي، ولا يتطرق إلى كيفية ممارسة السياسة.
من
ذلك على سبيل ذكر العناوين أيضا دون تفصيل:
التَّمييز
بين المعلومة المجرّدة في أي خبر أو تصريح أو مقال وبين ما لا يذكر في نصه لتكون
تلك المعلومة مكتملة، وهذا ما يتطلب عدم الاكتفاء بمصدر أو مصادر “مشكاة
واحدة” للوصول إلى المعلومة، وتجنب ما ينقل من “معلومات” دون ضوابط
ولا تمحيص.
تجريد
“المعلومة” في أي نصٍّ مقروءٍ أو مسموعٍ ممّا بات يُدمج فيها دمجاً،
ويكون مُعبّراً عن رأي صاحب النص، فردا كان أو جهة رسمية أو وسيلة إعلامية.. وهذا
ما يتطلب التدقيق بما فيه الكفاية في مضمون النص.
ضرورة
التحصيل على ما يكفي من معلومات أساسية وتاريخية متراكمة عن القضية ذات العلاقة
بالخبر أو الموقف السياسي وما شابه ذلك ممّا يرتبط بالأحداث الآنية، وهذا ما يعني
أن يستقرَّ لدى الفرد ما يكفي من العلم بخلفيات القضية، ليضع أي حدث آنيٍّ في
موضعه من المشهد الكبير للقضية تاريخاً وواقعاً.
تجنُّب
الاعتماد على جهة تحليلية “توجيهية” واحدة، إعلامية أو فكرية، كمصدر
لتكوين الوعي الذاتي، فتعدُّد المصادر المتناقضة أو المتعرضة فيما بينها، شرط لا غنى عنه في التوعية السياسية لاستخلاص
رؤية ذاتية أقرب إلى الصواب.
ويوجد
المزيد.. ممّا يشير إلى أنّ التَّوعية السياسية لا تتم عبر “دورة
تأهيلية”، فدور مثل هذا الدور لا يتعدّى التحفيز لبذل الجهد الفردي الذاتي
المتواصل، وتثبيت العوامل والضوابط المساعدة ليكون هذا الجهد -وليس الدورة- هادفاً
ومثمراً بإذن الله.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث